والكتاب الذي نقدمه اليوم، يشكل لبنة مهمة في بناء المنهجية الفكرية والفقهية وأصول التربية الاجتماعية، حيث يسعى إلى تصويب معايير النظر والحكم على القضايا والأشخاص، وتأصيل المرجعية الشرعية، من خلال قيم الكتاب والسنة، وفهم القرون المشهود لها بالخيرية، والتي تكاد تصبح غائبة عن الكثير من الكتّاب والمفكرين والباحثين، على الرغم من حماسهم للإسلام وانتصارهم له.
ذلك أن من أخطر الإصابات الذاتية، التي يمكن أن تلحق بالنخبة والأمة على حد سواء: انتقال علل التدين، التي كانت سببًا في سقوط الأمم السابقة وانقراضها عندما افتقد العلم أخلاقه وأهدافه الخيرة، فتحول من معرفة بانية، إلى وسيلة باغية، وأصبح سببًا في تمزيق الأمة وتفريق الدين، قال تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم) (الشورى: 14) ، فجاء الإسلام مصححًا للمعادلة، مصوبًا للمعيار، مرتكزًا في بنائه الحضاري على العلم والعدل، على الكتاب والميزان: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) (الحديد: 25) .
وتأتي أهمية إبراز جوانب من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التجديد، في هذا الوقت بالذات، حيث يعيش العالم الإسلامي اليوم على المستوى الداخلي والخارجي، ظروفًا مشابهة لتلك الظروف التي عاشها ابن تيمية، من حيث الاجتياح الفكري، والاستلاب الحضاري، والانشطار الثقافي، والتحكم الدولي، بإنسانه وإمكاناته، ومحاولات تغييب ما جاء به الوحي كمصدر للمعرفة الصحيحة، إضافة إلى حالة التآكل والتمزق والتنازع، التي تفتك بنسيج الأمة الاجتماعي، وما يخلفه ذلك من الفشل والإحباط والتلاوم، والمجازفات التي توصل إلى انطلاق موجة الاتهام بالتكفير والتفسيق، والتطرف والمغالاة، وشيوع التطفيف وبخس الناس أشياءهم.