وطرح منهجًا دقيقًا ومتميزًا، ووضع معايير منضبطة في الحكم على الأفكار والأشخاص.. لقد فرّق بين الحكم على الأفكار ومعايرتها وتقويمها، وبين الحكم على الأشخاص، وبذلك استطاع أن يتحدث عن الأفكار والعقائد والفلسفات الضالة، والمكفرة المخرجة عن الملة، وجاهد في ذلك جهادًا كبيرًا، لكنه لم يقع في عملية تكفير الأشخاص، الذين تنسب إليهم تلك الأفكار والعقائد، إلا بعد التحقق والتأكد، والإصرار بعد الاستتابة والبيان، وبذلك فرّق بين الفعل والشخص، وكان هذا مسلكًا تربويًا رائعًا حقًا.. فالتنفير والتخويف والترهيب من الأفكار والمبادئ والعقائد المخرجة عن الدين أمر مطلوب، ليكون الناس على بينة، أما الحكم على الأشخاص قضائيًا، فيتطلب التأكد والتحقق والبينة.
ونستطيع أن نقول: إن ابن تيمية رحمه الله، تميّز من بين روّاد الإصلاح والتجديد، بأنه كسّر قيود التقليد الجماعي، التي عطلت وجمدت حركة الأمة الإسلامية، بمجاهداتها الفقهية والفكرية، وأوضح منهج التحول من التقليد والابتداع، إلى الاقتداء والاتباع، بكل شروطه ومستلزماته، ومقوماته، وأبعاده.
وأن فقهه انطلق من القيم الخالدة في الكتاب والسنة، ومرجعيته من خلال فهم القرون المشهود لها بالخيرية، واستوعب ما حوله من فلسفات وأفكار وأوضاع اجتماعية وأسرية واستطاعات بشرية، لا يمكن للفقيه تجاوزها أثناء محاولة تنزيل النصوص الشرعية على واقع الناس.
لذلك كان له هذا الدور المتميز بين قادة الإصلاح والتجديد، حيث شكَّل إضافة نوعية على مستوى المنهج، في الفقه والفكر، مايزال عطاؤها ممتدًا في الحياة الإسلامية، على الرغم من تطاول الزمن.. ولعل من أبرز خصائص منهجه، أنه لم يتحرك في إطار فكر الآخرين، وإنما جاءت اجتهاداته منطلقة من قيم الكتاب والسنة وفهم خير القرون، واستيعاب وفهم ما حوله من واقع الناس.