الصفحة 20 من 51

ويُقدم في ولاية القضاء، الأعلم الأورع الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم، والآخر أورع، قُدم -فيما قد يظهر حكمه، ويخاف فيه الهوى- الأورع، وفيما يدق حكمه، ويخاف فيه الاشتباه: الأعلم). (انظر كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية، ص29-34) .

ولعل من القضايا المهمة التي عرض لها شيخ الإسلام رحمه الله، ووضع المنهج الصحيح للتعامل معها، المنهج الذي يضمن لها السداد والصواب: الاهتمام بخُلُق المعرفة والعلم، والنظر في غاياتهما ومقاصدهما، ذلك أن الاهتمام بخلق المعرفة وأمانتها، لا يقل عنده عن الاهتمام بالمعرفة نفسها، لأن العلم بدون توفر الخلق وتحديد الأهداف والمقاصد، سوف ينقلب إلى لون من البغي والظلم والفساد وتفريق الدين، ويكون سببًا للفرقة والتنازع والتآكل، بدل أن يكون سببًا في الوحدة والتكامل والقوة.. فقيام الحضارة، والتحرك في الإصلاح، وتجديد أمر الدين، لابد له من الكتاب: (العلم والمعرفة الصحيحة، عن طريق النبوة) ، ولابد له أيضًا من الميزان: (العدل والالتزام بخلق المعرفة ومقاصدها) ، وذلك انطلاقًا من قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (الحديد: 25) .

ذلك أن غياب الميزان واهتزاز المعيار، ولو كان صاحبه على شيء من العلم، فإن علمه يقوده إلى البغي والتطفيف، وبخس الناس أشياءهم، وإلحاق الأذى والسوء بهم، كما يؤدي إلى عدم الإنصاف، وشيوع فقه الحيل والمخارج الشرعية وأكل الحقوق، وغياب فقه المقاصد وميزان الاعتدال، كما يؤدي إلى التفرق والتعصب والغلو والتشرذم، وغلبة النزوع الحزبي والطائفي.. وعند فقد الميزان، تصبح الكبائر المهلكة من الهنات واللمَم، إذا وقعت من جماعتي وحزبي وعصبتي وطائفتي!! وتنقلب الهنات واللمم إلى كبائر، إذا وقعت من الآخرين!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت