الصفحة 19 من 51

(اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية، الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قُدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها، فتُقدَّم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور فيها، على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينًا، كما سُئل الإمام أحمد، عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف: مع أيهما يغزي؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر. وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم:(إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) ، ورُوي: (أقوام لا خلاق لهم) . فإذا لم يكن فاجرًا، كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، وقال: (إن خالدًا سيف سلَّه الله على المشركين) ، مع أنه أحيانًا كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه و سلم، حتى إنه -مرة- رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إنِّي أبرأ إليك مما فعل خالد) ، لمَّا أرسله إلى جذيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك...

وكان أبو ذر رضي الله عنه، أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا قال له النبي صلى الله عليه و سلم: (يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم) (رواه مسلم) . نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية، لأنه رآه ضعيفًا، مع أنه قد رُوي: (ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء، أصدق لهجة من أبي ذر) ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت