ولعل من فقه شيخ الإسلام ونظراته الدقيقة، أن دراسته لمحل تنزيل الحكم الشرعي، وتحديد استطاعته، التي تستدعي نوع ومستوى التكليف، عادت بفقه جديد للنص الشرعي نفسه، أو بمعنى آخر: إن محل الحكم الشرعي عنده، كان له الأثر الكبير في إعادة النظر بمقاصد النص نفسه وتحليله وتعليله، وعدم الاقتصار على تفسيره وبيان معناه المقصود، فمثلًا قوله تعالى: (إن خير من استأجرت القوي الأمين) (القصص: 26) ، يعني أن القوة والأمانة، أو بمعنى آخر: الإخلاص والصواب، أو التدين والتخصص، هما الصفتان المطلوب توفرهما في كل مسؤول ولكل مسؤولية.. لكن إذا كانت الحاجة قائمة والظروف تستدعي مباشرة بعض المهمات، ولم تتوافر الكفاءة المطلوبة من القوة والأمانة، نرى هنا أن من فقه ابن تيمية العملي والواقعي، النظر في طبيعة الوظيفة وطبيعة المهمة، فبعض المهام والأعمال تتطلب مزيدًا من الأمانة والحرص والحماية وعدم التفريط، كالقيام على الأموال وما في حكمها، فيرجح لهذا العمل الأمين.. وهناك أعمال تتطلب قوة وشكيمة وصمودًا وثباتًا وتضحية، كالأعمال العسكرية والقيادية، فيُختار ذو القوة.. كل هذا في حال عدم توفر القوة والأمانة معًا، وهي الصورة الأمثل التي لابد من الانتهاء إليها، لكن لا يقف الفقيه عاجزًا عن التعامل مع الحالة القائمة للناس، ضمن إطار الأحكام الشرعية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في كتاب السياسة الشرعية، تحت عنوان: (قلة اجتماع الأمانة والقوة في الناس) :