الصفحة 16 من 51

فالمُحيي للدين والمجدد للسنة، لا يبلِّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقّن جميع شرائعه، ويؤمر بها كلها، كذلك التائب من الذنوب، والمتعلم، والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين، ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه، لم يكن واجبًا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبًا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه عليه ابتداءً، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا رسول الله صلى الله عليه و سلم عما عفا عنه إلى وقت بيانه.. ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات، وترك الأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل.. ومن هنا يتبين سقوط كثير من الأشياء، وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل، لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب والتحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان في الأصل) (مجموع الفتاوى: 20¯58-60) .

هذه النظرة الفقهية الدقيقة لمحل تنزيل النص، ومدى توفر الشروط والظروف لهذا التنزيل، أي توفر الاستطاعة بمعناها الأشمل، ليقع التكليف -حيث لا يُكلِّف الله نفسًا إلا وُسعها- التي يمكن أن نسميها: (فقه المرحلة) ، أو فقه الحالة التي عليها الناس، ووضع الإجابات الشرعية لكيفية التعامل معها، لا تعني القبول بالواقع، وعدم تنمية القدرات والاستطاعات للارتقاء بمستويات التكليف، وبلوغ حالة القوة والتمكين، وإنما تعني -من بعض الوجوه- تعامل الشريعة مع حالة الناس التي هم عليها، والارتقاء بهم من خلال تنفيذ ما يطيقون من أحكامها، أي يتربون ويترقون وتتطور استطاعاتهم، من خلال ما يقع عليهم من أحكام التكليف، وبذلك يكون الحضور المستمر لأحكام الدين في حياة الناس، مهما كانت استطاعاتهم وأقدار تدينهم صعودًا وهبوطًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت