الصفحة 15 من 51

أن ابن تيمية لم يقصر النظر على تحرير النص الشرعي، والاجتهاد في بيان دلالاته ومقاصده، وإنما اجتهد وبذل جهدًا مقدورًا في فحص واختبار وبيان محل النص وخصائص مورده، وحدود وقوع التكليف، وربط ذلك بمدى توفر الاستطاعة.. فكان له اجتهاد في مورد النص، كما أن له اجتهادًا في تحرير النص وتبيين مقاصده ومدلولاته، لأن الأمر لا يتعلق فقط بمعرفة حكم الشرع وما يطلبه منا، والتأكد منه، والانطلاق لإنجازه، بل يتعلق باستكمال أبعاد أخرى تخص ساحة التنفيذ والتنزيل على الواقع، وكيفياته، ومنهجية ومرحلية الإنجاز، خصوصًا عند تراجع أقدار التدين، وانتقاص آثار النبوة في الخلق، وضعف صلة الناس بالإسلام فهمًا وممارسة، حيث يحتاج الاجتهاد والعمل إلى بصيرة نافذة وعقل راشد، وفقه نضيج، يمتلك مفاتيح المعادلات المركبة التي يفرزها التدافع غير المتكافئ بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، والمصلحة والمفسدة، وهو ما عناه العلماء بقولهم: ليس الفقيه هو مَن يعرف بأن هذا مصلحة وهذا مفسدة، بل الفقيه هو الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين. وقد يكون من المفيد أن نجلي هذه الفكرة بإيراد نص كلام شيخ الإسلام نفسه، يقول شيخ الإسلام:

(العالِم تارة يأمر، وتارة ينهى، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر أو النهي... كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء، حتى علا الإسلام وظهر. فالعالِم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخَّر الله سبحانه إنزال الآيات، وبيان الأحكام، إلى وقت تمكّن رسول الله صلى الله عليه و سلم من بيانها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت