وهذه - أيضًا - صورة مشرقة لمعاملة أهل السنّة لأهل البدع تتضح من خلال ترجمة المحدث الإمام أحمد بن عون الله بن حدير أبي جعفر الأندلسي القرطبي (ت:378هـ) ، فقد قال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مفرج:"كان أبو جعفر أحمد بن عون الله محتسبًا على أهل البدع غليظًا عليهم مذّلًا لهم طالبًا لمساوئهم مسارعًا في مضارّهم شديد الوطأة عليهم مشرّدًا لهم إذا تمكن منهم غير مبقٍ عليهم، وكان كل من كان منهم خافيًا منه على نفسه متوقيًا، لا يداهن أحدًا منهم على حال ولا يسالمه، وإن عثر على منكر وشهد عليه عنده بانحرافٍ عن السنّة نابذه وفضحه وأعلن بذكره والبراءة منه وعيّره بذكر السوء في المحافل وأغرى به حتى يهلكه أو ينزع عن قبيح مذهبه وسوء معتقده ولم يزل دؤوبًا على هذا جاهدًا فيه ابتغاء وجه الله إلى أن لقي الله - - عز وجل - -" (1) .
وكذلك ما جاء في ترجمة بكر بن جعفر بن راهب أبي عمرو المؤذن (ت:380 ) ، قال جعفر بن محمد المعتز في"تاريخ نسف": … وكان - رحمه الله - قارئًا آناء الليل والنهار، شديدًا على أهل البدع" (2) ."
وكذلك الإمام أسد بن الفرات - رحمه الله -، فقد جاء في رسالة أسد ابن موسى المعروف بأسد السنّة التي كتبها لأسد بن الفرات فقال:
"اعلم - أي أخي - أن ما حملني على الكتابة إليك ما ذكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس (3) ، وحسن حالك مما أظهرت من السنّة، وعيبك لأهل البدعة، وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشدّ بك ظهر أهل السنّة، وقواك عليهم بإظهار عيبهم، والطعن عليهم، فأذلهم الله بذلك، وصاروا ببدعتهم مستترين."
(1) تاريخ دمشق ( 5/118 ) .
(2) التقييد لابن نقطة ( 1/264 ) .
(3) تنبه - أخي في الله - إلى أنه جعل ذكر معائب أهل البدع والطعن عليهم وكثرة ذكر ذلك من الإنصاف للناس ، ولم يجعل الإنصاف ذكر الحسنات إلى جانب السيئات كما يقوله أهل منهج الموازنات ، ألا ساء ما يحكمون .