فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 109

وقد سار السلف من المتقدمين ومن بعدهم من المتأخرين في التحذير من البدع والتحذير من أهلها على حدّ سواء، فلم يقتصروا على التحذير من البدع وتركوا أهلها على طريقتهم سائرين، ولبدعهم مروّجين.

فإن هذه البدع لا تسير وحدها، بل لا بد لها من مسيّر ومروّج، فلزم من التحذير من البدعة التحذير من أهلها، فإذا قمع أهلها وزجروا وهجروا مات ما يحملون من بدع وهوى، ولم يتمكنوا من نشرها والدعوة إليها.

وقد ظهر في زماننا هذا أقوام، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون بقول محدث لم يأت به الأولون، فقالوا حذّر من البدع ولا تحذّر من صاحبها ولا تتكلم فيه.

وما قصدوا بذلك إلا إغلاق باب التحذير من أهل البدع ليسلم لهم أئمتهم وقادتهم، ولينشروا من بدعهم ومناهجهم المحدثة ما يريدون.

فالنبي - - صلى الله عليه وسلم -- هو الذي شرع لأمته التحذير من أهل البدع بأعيانهم، فقد أشار النبي - - صلى الله عليه وسلم -- إلى ذي الخويصرة بقوله: (( إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرميّة … ) )الحديث (1) ، ففي قوله ( هذا ) تعيين له وتحذير منه بعينه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فلا بد من التحذير من تلك البدع وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم ) ) (2) .

وتحذير السلف من أهل البدع بأعيانهم كثير جدًا، وما حملهم على ذلك إلا النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فهذا إمام دار الهجرة مالك بن أنس - رحمه الله - حذّر من أهل البدع بأعيانهم.

(1) كما قال عبد الرحمن بن مهدي: دخلت عند مالك وعنده رجل يسأله عن القرآن، فقال: (( لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد، لعن الله عمرًا فإنه ابتدع هذه البدعة من الكلام … ) ) (3) .

(1) رواه البخاري ( 3610 ) ، ومسلم ( 2452 ) .

(2) مجموع الفتاوى ( 28/233 ) .

(3) مناقب مالك للزواوي ( ص: 147-148 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت