كالمسلمين الذين بمكة واليمن والحبشة، عذرهم جميعًا فلم يأمر أحدًا بالقضاء، ولما زيد في صلاة الحضر لم يكن ثمة وسائل ينقل بها هذا التغيير سريعًا فبقي طوائف من المسلمين من البعيدين عن مهبط الوحي يصلون على صلاتهم الأولى وعذر الجميع للجهل ولم يأمر أحدًا بالقضاء، وعذر المتكلم في الصلاة جاهلًا الحكم وبين له الحكم في ذلك ولم يأمره بالإعادة، وعذر من بال في مسجده لأنه كان جاهلًا، والوقائع في عهده كثيرة على هذا المنوال مما يفيدنا أن العلم بالتشريع شرط في قيام الحجة والمؤاخذة، وأن الجهل عذر رافع للتكليف ولكن هذا ليس على إطلاقه كما سيأتي في المسألة التي بعدها إن شاء الله تعالى وأما الدليل النظري:- فلأن المتقرر في قواعد الشرع أن الشرائع لا تلزم إلا بالقدرة على العلم والعمل، والمتقرر فيها أنه لا تكليف إلا بعلمٍ ولا عقوبة إلا بعد إنذار وبناءً عليه فإذا كان الشخص الذي وقع في هذه البدعة المكفرة جاهلًا فإنه ينتظر بتكفيره حتى تقوم عليه الحجة بالتعليم وإزالة الجهل عنه ومنها:- القصد وضده الخطأ، فالقصد شرط والخطأ مانع، ودليله قوله تعالى { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } وكلنا نعرف حديث الرجل الذي قال (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) )فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (( أخطأ من شدة الفرح ) )فهذا الرجل لم يقصد قول ذلك، وبناء عليه فإن كان الذي وقع في هذه البدعة المكفرة وقع فيها خطأً عن غير قصدٍ فإنه ينتظر بتكفيره حتى يتحقق فيه الشرط وينتفي في حقه المانع، وهذا واضح، ومنها:- الاختيار وضده الإكراه، أي أن يفعل البدعة المكفرة وهو مختار لها مقبل عليها بقلبه وجوارحه، وبناءً عليه فلو أنه وقع في شيءٍ من البدع المكفرة بسبب الإكراه الذي يسمى إكراهًا شرعًا فإنه غير مؤاخذ، والدليل أثري ونظري فأما الأثري فقوله تعالى مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ