على ذلك فلو أن الذي فعل البدعة المكفرة صغير لم يبلغ بعد فإننا لا نحكم عليه بمقتضى هذه البدعة لفوات شرط ووجود مانع، ومنها:- العلم، أي أن يكون عالمًا بحقيقة حكم هذه البدعة التي وقع فيها وأنها مخالفة للشرع، وضده الجهل وذلك للدليل الأثري والنظري، فأما الأثري فلقوله تعالى { لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ } فمن لم تبلغه الحجة فإنه لم تتحقق في حقه النذارة، وقال تعالى { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } وليس من طاقة النفس أن تكلف بما لا تعلمه وقال تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } والذي لم يبلغه العلم منزل منزلة من لم يأته رسول، وقال تعالى { رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } فالله تعالى قد أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام مبشرين ومنذرين وأقام سبحانه للناس أسباب الهداية ومن تمام حكمته وعدله جل وعلا أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والذي لا يعلم لم تقم الحجة عليه، قال العباس ( وهذا أصل لابد من إثباته وهو أنه قد دلت النصوص على أن الله لا يعذب إلا من أرسل إليه رسولًا تقوم به الحجة عليه ) ا.هـ. وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عذر خلاد بن رافع جهله في تفويت الطمأنينة لما قال له (( والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني ) )فعلمه ولم يأمره بقضاء ما فاته في السابق وذلك لأنه لم يكن يعلم وكان جاهلًا بحقيقة الحال فعذره، وعذر عدي ابن حاتم لما عقد العقالين وأكل وقد طلع الفجر لجهله بحقيقة الحكم، فلم يأمره بالقضاء وعذر المستحاضة التي قالت (( وإنها تمنعني الصوم والصلاة ) )لجهلها بحقيقة الحال فبين لها الحكم ولم يأمرها بالقضاء، وعذر من جهل تحويل القبلة فافتتحوا الصلاة إلى القبلة المنسوخة فلما جاءهم العلم استداروا كما هم إلى الكعبة وكذلك من كان بعيدًا عن المدينة