الثاني:- أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة رفع الله منازلهم في الدنيا والآخرة أن التكفير العام - أي تكفير الأقوال والأفعال - لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه، وسيأتي لها مسألة خاصة إن شاء الله تعالى وهو الذي وعدت به في المسألة السابقة، وقد شرحنا هذه المسألة في كتابنا قواعد في الحكم على الآخرين، وسيأتي لها زيادة تفصيل في المسألة الآتية بحول الله وقوته، والمهم أن تعلم أن المعين لا يكفر بمجرد وقوعه في البدعة المكفرة إلا بعد التأكد من ثبوت الشروط وانتفاء الموانع، فإن قلت:- وما هذه الشروط؟ فأقول:- هي كما يلي:- فمنها:- العقل وضده الجنون، فالعقل شرط والجنون مانع وبناء على ذلك فإن كان هذا المبتدع قد ارتفع عقله وصار مجنونًا فإنه لا يحكم عليه بمقتضى فعله هذا ودليل ذلك أثري ونظري فأما الأثري فقوله - صلى الله عليه وسلم - (( رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق - أو قال - حتى يعقل ...الحديث ) )ووجه الدلالة منه واضحة، وأما النظري فلأن العقل هو مناط التكليف فمن لا عقل له فلا تكليف عليه، ولأن التكفير يشترط فيه القصد أي قصد قول الكفر أو فعل الكفر، والمجنون لا يصح له قصد كما قاله أهل العلم، بل قرروا في مواضع كثيرة أن عمد المجنون خطأ، ولأن الذي قال (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) )لم ينطبق عليه حكم قوله لوجود ما غطى على عقله وهو شدة الفرح، فالمجنون الذي ارتفع عقله من باب أولى أن لا يؤاخذ وهذا واضح، بل انعقد عليه الإجماع فلا نطيل فيه. ومنها:- البلوغ، وضده الصغر، فالبلوغ شرط والصغر مانع، ودليله أثري ونظري، فأما الأثري فالحديث السابق وفيه (( وعن الصغير حتى يبلغ ) )وأما النظري فلأن عقل الصغير قبل البلوغ ليس كاملًا فليس هو العقل الذي يصلح أن يناط به التكليف وبناءً