الصفحة 36 من 52

لقد وعد الله نوحا أن ينجو أهله معه، إلا من سبق عليه القول.

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [1] .

فلما رأى ابنه في معزل ناداه ليركب معه سفينة النجاة .. ولكنه عصى وقال: {سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ... } وكانت عاقبته أن غرق مع المهلكين.

ولما قضي الأمر ونجا من نجا وهلك من هلك راح نوح - في مرارة الفقد التي تشوب فرحة النجاة - يناجي ربه، ويسأل عن تفسير ما حدث: لقد وعده الله بنجاة أهله، وابنه من أهله، ومع ذلك كان من الهالكين. وكان الرد الرباني: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} .

ذلك أن الآصرة الحقيقة التي تجعله من أهلك ليست هي رابطة الدم التي تجمع بينه وبينك. إنما هي رابطة العقيدة. وقد رفض الابن أن يكون على العقيدة الصحيحة فانقصم ما بينه وبين أبيه من رباط، لأنه {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} .

ذلك هو ميزان الإسلام.

وقد مرت بنا الآية التي تجعل الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والأرض وهي مقومات القومية كلها في

(1) سورة هود الآية (40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت