وما قيل من أن الخطاب خاص به - صلى الله عليه وسلم -، وأن صلاة الخوف على هذه الكيفية لا تشرع إلا في حياته - صلى الله عليه وسلم - وحال كونه مع الجيش [1] ؛ فهذا في غاية الضعف.
قال الجصاص [2] : «وهذا ليس بصحيح؛ فقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} وإن كان خطابًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فليس بموجب الاقتصار عليه في هذا الحكم دون غيره؛ لأن الذي قال: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} هو الذي قال: {فَاتَّبَعُوهُ} [3] .
فإذا وجدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل فعلًا فعلينا اتباعه على الوجه الذي فعله؛ ألا ترى أن قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [4] ، لم يوجب كون النبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوصًا به دون غيره، وقد روي جواز فعل الصلاة بعده - صلى الله عليه وسلم - عن جمع من الصحابة والتابعين من غير خلاف يحكى عن أحد منهم، ومثله يكون إجماعًا لا يسع خلافه».
وقال ابن كثير [5] : «وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} ؛ فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويرد عليه؛ مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [6] ؛ قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد؛ بل نخرجها بأيدينا على ما نراه، ولا ندفعها إلا إلى من صلاته - أي: دعاؤه - سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة وأبوا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم» .
15 -ظاهر قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} أن صلاة الخوف لا تصلى إلا في السفر، وجمهور أهل العلم أنها تصلى في الحضر والسفر [7] .
16 -أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها حتى ولا في حال الخوف؛ لقوله {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} ... الآية.
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء منهم مالك [8] ، والشافعي [9] ، وأحمد في المشهور عنه [10] وقالوا: إن جواز تأخير الصلاة عن
(1) روي هذا عن المزني وأبي يوسف وإسماعيل بن علية لقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} وقالوا: إن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره عليه الصلاة والسلام الصلاة يوم الخندق.
قال ابن كثير: «وهذا غريب جدًا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف. وحمل الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، يعني أن تأخيره الصلاة يوم الخندق إنما هو لعدم القرة على الصلاة على أي حال يوم الأحزاب» . «تفسير ابن كثير» 2/ 353، وانظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/ 262 - 263، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 493، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 364 - 365، «مدارك التنزيل» 1/ 352.
(2) في «أحكام القرآن» 2/ 263.
(3) سورة الأنعام، الآيتان: 153، 155.
(4) سورة التوبة، آية: 103.
(5) في «تفسيره» 2/ 354 وانظر «أضواء البيان» 1/ 357 - 358.
(6) سورة التوبة، آية: 103.
(7) انظر «البحر المحيط» 3/ 339.
(8) انظر «حاشية العدوي على كفاية الطالب» 2/ 174.
(9) انظر «الحاوي» للماوردي 2/ 470، 471.
(10) انظر «المغني» 3/ 298، «مجموع الفتاوى» 23/ 29.