الصحابة» [1] .
والأحوط والله أعلم أنه إذا أقام أكثر من أربعة أيام فإنه يتم، وهو قول الجمهور، وأحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية، وإن كان يظهر ميله للقول الآخر، وهو عدم التحديد، وهو اختيار جمع من محققي علمائنا في هذا العصر منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله وكثير من هيئة كبار العلماء في هذه البلاد.
وهم مجمعون على أن المسافر إذا أقام في بلد فعليه أن يصلي مع الناس جماعة في المساجد لعموم الأدلة في وجوب صلاة الجماعة ولمداومة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أدائها في السفر والخوف وعليه الإتمام تبعًا لإمامه.
8 -ظاهر قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أن من شرط قصر الصلاة في السفر وجود الخوف، ولهذا قال بعضهم: لا قصر إلا في خوف [2] . وحمل بعض أهل العلم القصر في الآية على قصر الكيفية فقط وقال: هذا الشرط في الآية معتبر؛ فلا يجوز قصر كيفية الصلاة إلا مع وجود الخوف. واستدلوا على هذا بقوله تعالى: {فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، وقوله في سورة البقرة: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [3] ، وبأن البخاري صدر باب صلاة الخوف بهذه الآية، وذكر تحته أحاديث قصر الكيفية؛ قال: لينبه على أن المراد بقصر الصلاة في هذه الأحاديث هو المراد بالقصر في الآية، قال: ويؤيده أن قصر عددها لا يشترط فيه الخوف، كما كان يفعل، وأصحابه [4] .
وقد دلت السنة القولية والفعلية على جواز قصر الصلاة في السفر بدون خوف؛ فمن السنة القولية ما رواه يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن قول الله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وقد أمن الناس؟ فقال عمر - رضي الله عنه: «عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» [5] .
فقوله: «صدقة تصدق الله بها عليكم» يدل على أن الله عز وجل جعل من شرط القصر وجود الخوف أول الأمر ثم تصدق على عباده وسهل عليهم ورخص لهم في القصر بلا خوف، وهذا ما فهمه جمهور أهل العلم من قوله: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} من أن المراد به قصر الرباعية إلى الاثنتين في السفر [6] .
ومن السنة الفعلية ما رواه حارثة بن وهب الخزاعي قال:
(1) انظر «زاد المعاد» 3/ 563 - 564، «أضواء البيان» 1/ 374.
(2) وممن ذهب إلى هذا الخوارج فقالوا: لا يصح القصر إلا مع الخوف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وذكر هذا قولًا للشافعي، وما أظنه يصح عنه» «مجموع الفتاوى» 24/ 22 وانظر «التفسير الكبير» 11/ 18، «مدارك التنزيل» 1/ 352، وانظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 487، «المحرر الوجيز» 4/ 235.
(3) سورة البقرة، آية: 239.
(4) انظر «أضواء البيان» 1/ 338 - 339.
(5) سبق تخريجه ص9. وانظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 489، «مجموع الفتاوى» 24/ 107.
(6) انظر «تفسير ابن كثير» 2/ 347.