الصفحة 79 من 109

وقيل غير ذلك [1] .

وعلى كل حال فالمسافر لا يخرج عن أحوال ثلاث: الأولى: أن ينوي الإقامة المطلقة، فهذا له حكم المقيم في جميع الأحكام. والحالة الثانية: أن ينوي الإقامة لغرض معين وحاجة يريد قضاءها، متى ما انتهى ذلك الغرض وتلك الحاجة رجع، ولم يجمع الإقامة، فهذا له حكم المسافر في جميع الأحكام عند جمهور أهل العلم، بل حكي عليه الإجماع [2] . والحالة الثالثة: أن ينوي الإقامة زمنا معينا كشهر، أو سنة، أو أقل أو أكثر وهذا موضع الخلاف.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية [3] : «إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل مكة، فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة.

وأما إن قال غدا أسافر، أو بعد غد أسافر، ولم ينو المقام؛ فإنه يقصر أبدًا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة بضعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة».

وقال أيضًا [4] : «فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط فالإتمام أفضل، وأما من تبينت له السنة وعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان أو بمكان ولا حد الإقامة أيضًا بزمن محدود، لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عشر، ولا خمسة عشر فإنه يقصر، كما كان غير واحد من السلف يفعل؛ حتى كان مسروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصر الصلاة، وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر.

كما أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بعد فتح مكة قريبًا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة، وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام، وإذا كان التحديد لا أصل له، فما دام المسافر مسافرًا يقصر الصلاة، ولو أقام في مكان شهورًا».

وقال أيضًا [5] : «وأما الإقامة فهي خلاف السفر؛ فالناس رجلان: مقيم ومسافر، ولهذا كانت أحكام الناس في الكتاب والسنة أحد هذين الحكمين: إما حكم مقيم وإما حكم مسافر؛ قال تعالى: {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [6] ؛ فجعل للناس يوم ظعن ويوم إقامة.

وقد أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجته بمكة أربعة أيام ثم ستة أيام بمنى

(1) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/ 256، «المجموع للنووي» 4/ 219 - 220، «زاد المعاد» 3/ 564 - 565.

(2) انظر «المغني» 3/ 153، «أحكام القرآن» للجصاص 2/ 256، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 357، «زاد المعاد» 3/ 56.

(3) في «مجموع الفتاوى» 24/ 17، وانظر «الاختيارات الفقهية» ص107.

(4) في «مجموع الفتاوى» 24/ 18، وانظر «زاد المعاد» 3/ 563.

(5) في «مجموع الفتاوى» 24/ 136 - 137.

(6) سورة النحل، آية: 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت