فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 42

وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك؛ حتى لا ترجو إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئًا، فإذا كنت كذلك لم تبال في بر كنت أو في بحر أو في سهل أو في جبل، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد وشوق الجائع إلى الطعام الطيب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف.

وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس، وكان الله جليسه.

وقال أبو سليمان: لا آنسني الله إلا به أبدًا. وقال معروف لرجل: توكل على الله حتى يكون جليسك وأنيسك وموضع شكواك.

وقال ذو النون: من علامات المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه ولا يستوحشوا معه. ثم قال: إذا سكن القلب حب الله تعالى أنس بالله؛ لأن الله أجل في صدور العارفين أن يحبوا سواه.

وكلام القوم في هذا الباب يطول ذكره جدًا وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى، فمن تأمل ما أشرنا إليه مما دل عليه هذا الحديث العظيم علم أن جميع العلوم والمعارف ترجع إلى هذا الحديث ويدخل تحته، وأن جميع العلماء من فرق هذه الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث وما دل عليه مجملا ومفصلا؛ فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام، ويضيفون إلى ذلك الكلامَ في أحكام الأموال والأبضاع والدماء، وكل ذلك من علم الإسلام كما سبق التنبيه عليه، ويبقى كثير من علم الإسلام من الآداب والأخلاق، وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت