الصفحة 13 من 23

لأن الخالق لابد أن يتقدم على المخلوق، فإن كون الفاعل مقارنًا لمفعوله أزلًا وأبدًا مخالف لصريح المعقول ولصحيح المنقول، إلا إذا أردت أنه لا يمنع من القول بأن الله قادر على أن يخلق في الأزل، فيقال: هذا القول فيه إثبات القدرة على الخلق وليس فيه إثبات الفعل، وهو أنه يخلق.

فإذا تقرر ذلك ثبت أن الله عز وجل كان يخلق في الأزل، والأزل ليس شيئًا محدودًا بل معناه عدم الأولية.

فإذا ظن الظان أن هذا يقتضي قدم شيء معه، كان ذلك من فساد تصوره؛ لأن الله خالق كل شيء؛ فكل ما سواه مخلوق مسبوق بالعدم، فليس معه شيء قديم بقدمه، فإذا قلنا: لم يزل يخلق، كان معناه: لم يزل يخلق مخلوقًا بعد مخلوق، كما لا يزال في الأبد يخلق مخلوقًا بعد مخلوق، فكل مخلوق له ابتداء لا نجزم أن يكون له انتهاء؛ لأن الله يكتب الخلود لما يشاء من مخلوقاته، وهذا قد تواترت النصوص من الكتاب والسنة على إثباته، وهذا فرق في أعيان المخلوقات، وهو فرق صحيح لكن يشتبه على كثير من الناس (النوع) بـ (العين) كما اشتبه ذلك عليهم في كلام الله، فلم يفرقوا بين كونه كلامه قديمًا بمعنى أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، وبين كون الكلام المعين قديمًا، وكذل لم يفرقوا بين كون الفاعل يفعل شيئًا بعد شيء دائمًا وأبدًا، وبين كون الفعل المعين قديمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت