وكذا جاء الإسلام أيضًا بإباحة متع الدنيا مع الاقتصاد في ذلك، مما يدلُّ على كماله وتدخُّله في شئون الناس ومعاملاتهم لبيان الهيئة الرفيعة من أنواع اكتساب المال من وجوهه المباحة للتعفُّف عن سؤال الناس وإظهار الفاقة أمامهم مما يُضعف النفس ويُسقِط الهيبة.
كما حثَّ على القناعة بما رزق الله العبد من ضيقٍ أو سعة، أخبر بأن الغنى غنى النفس، وأن من أَخَذ بسخاوة نفس بُورك له فيه، ومن أخذ بإشراف نفسٍ وتطلُّعٍ لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، وأوضح أنَّ اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، ونحو ذلك من الشيم الرفيعة التي تبعث في النفوس الرضا عن الله بما وهبه للعبد من سعة أو ضيق، ويكون بما في يد الله أوثق بما في يده، فلا يستكثر ما قدَّمه لأخيه وأعطاه لفقيرٍ أو محتاج، أو وهبه لابن سبيل أو في سبيل الله؛ حيث أيقن أنَّ ربَّه يجب منه ذلك، وأنه يخلفه له بخير منه عاجلًا أو آجلًا، فهان عليه ما بذله لله من صدقةٍ وصلة رحم وقرى ضيف، ووقف على جهة بر، ونحو ذلك من صفات أهل الكرم والسخاء والجود بما في اليد ثقةً بالله وطواعيةً له، بل إنه قد يواسي بما في يده، أو يؤثر على نفسه، كما وصف الله تعالى حالهم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [1] .
ولكنه جاء مع ذلك بالحثِّ على الاقتصاد، وشدَّد في ذمِّ المسرفين وأهل التبذير وإفساد المال وإنفاقه في الباطل أو فيما لا فائدة فيه، وأخبر بأنَّ المبذرين إخوان الشياطين، والمراد البذل في الحرام، أو ما هو ضار قادح في الدين، أو التعدِّي في الإنفاق في الشهوات
(1) سورة الحشر، آية: 9.