سهلًا هينًا، فهم لا يلقون أنفسهم بين براثن الهم والقلق على أمر، أنهم يؤمنون بأن ما قدر يكون، وأنه لا يصيب الفرد منهم إلا ما كتب الله له، وليس معنى ذلك أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي، كلا!! ودعني أضرب مثلًا لما أعنيه: هبت ذات يوم عاصفة عاتية حملت رمال الصحراء وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط ورمت بها وادي الرون في فرنسا، وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة حتى أحسست كأن شعر رأسي ينتزع من منابته لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأني مدفوع إلى الجنون، ولكن العرب- يقصر المسلمين - لم يشكوا إطلاقًا!! فقد هزوا أكتافهم، وقالوا حكمتهم المأثورة (قضاء مكتوب) ولكنهم ما أن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير؛ فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتها، فعلوا ذلك كله في صمت وهدوء دون أن تبدو من أحدهم شكوى .. قال رئيس القبيلة: لم نفقد الشيء الكثير فقد كنا خلفاء بأن نفقد كل شيء، ولكن حمدًا لله وشكرًا فإن لدنيا نحو 40% من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ بها عملنا من جديد).
3 -إن الصبر على المصيبة كنز عظيم من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم، فقد ابتلي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصبروا، بل إنهم من أشد الناس ابتلاءً كما قال - صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» فالصبر سمة الأنبياء والصالحين، قال سبحانه: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85] وقد أثنى الله على أيوب - عليه السلام - لما ابتلى بالمرض فصبر {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44] قال ابن القيم: