يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [1] .
وقال عز وجل في وصف نوره ونور الإيمان: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [2] ».
قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} : هذا هو المستعاذ منه الثالث في هذه السورة، وهو: شر النفاثات.
و «النفاثات» : جمع نفاثة، وهن السواحر اللاتي يعقدن وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر، والنفث: هو النفخ مع ريق، وهو دون التفل، وهو مرتبة بينهما. والعقد: عقد الخيوط التي يعقدنها وينفثن فيها [3] ؛ قال - صلى الله عليه وسلم: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه» [4] .
والنفاثات: السواحر اللاتي يرقين وينفثن في العقد [5] .
والمراد بالنفاثات: الأنفس الخبيثة السواحر، فيشمل جميع الأنفس السواحر الخبيثة، من الذكور والإناث.
وقيل: المراد النساء السواحر، وخص النساء بالذكر لأن السحر فيهن أكثر؛ لضعف عقولهن ودينهن.
قال ابن القيم [6] : «والجواب المحقق أن النفاثات هنا: هن الأرواح والأنفس النفاثات؛ لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح لشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، ولهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث، دون التذكير، والله أعلم» .
وقال أيضًا [7] : «والنفث فعل الساحر، فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقد نفخًا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك، وقد تساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور، فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري، لا الأمري الشرعي» .
قال الزمخشري [8] : «وعرف النفاثات لأن كل نفاثة شريرة،
(1) سورة النور، آية: 40.
(2) سورة النور، آية: 36.
(3) انظر «الكشاف» 4/ 244، «لسان العرب» مادة «نفث» ، التفسير القيم» ص563.
(4) أخرجه النسائي في تحريم الدم 4079 - من حديث أبي هريرة، وقد ضعف الألباني أوله، وصحح جملة: ومن تعلق شيئًا وكل إليه» انظر ضعيف سنن النسائي حديث 276، وصحيح سنن الترمذي حديث 1691. وانظر «الجامع لأحكام القرآن» 20/ 258.
(5) انظر «تفسير ابن أبي حاتم» 10/ 3475، «الجامع لأحكام القرآن» 20/ 257، «تيسير الكريم الرحمن» 7/ 687.
(6) انظر «التفسير القيم» ص564، وانظر «دقائق التفسير» 6/ 497.
(7) انظر «التفسير القيم» ص563.
(8) في «الكشاف» 4/ 244.