وإياك من أهل السعادة - وأوضح لهم الطريق والسبيل: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] ، وأعطاهم مواد العلم والعمل: من القلب والسمع والبصر والجوارح نعمةً منه وفضلًا، فمن سخر ذلك في طاعة ربه عز وجل ومرضاته فقد قام بشرك ما أوتيه من ذلك، ومن سخره في إرادته وشهواته ولم يرع حق ربه عز وجل فقد أفسد وما أصلح وخسر وما أفلح لأنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .
ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود التي تتلقى الأوامر عنه ويستعملها فيما شاء فكلها تحت عبوديته وقهره، بل وتكتسب منه الاستقامة والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» [1] ؛ فهو ملكها والمتصرف فيها، وهي المنقادة لما أمر ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته، وهو المسؤول عنها كلها لأن كل راع مسؤول عن رعيته، كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده وتقويمه أولى ما اعتمد عليه السالكون، والنظر في أمراضه وعلاجها أهمّ ما تنسك به الناسكون؛ لأن مرض القلب خطير، أخطر وأضر على المرء من مرض البدن، ومرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه؛ فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه؛ لأن دواءه في
(1) رواه الإمامان ومسلم عن النعمان بن بشير.