لمجتمعات الناس في علاقاتهم مع أولياء أمورهم، ومع بضعهم بعضًا في الصلة، والجوار، والأخوة، والعطف والشفقه، والتراحم، والترابط، والتزاور، والتزواج، ... وغير ذلك، كما أن فيه تنظيمًا لسلوك الفرد جميعه، في عبادته، ومأكله، ومشربه، وملبسه، ومنكحه، وطلبه لدنيا، وتعلمه وتعليمه، حتى قضاء حاجته، فما من مسألة دقيقة أو جليلة إلا وهي خاضعة لسلطان الله وحكمه، ففي صحيح مسلم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: «قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة، فقال رضي الله عنه: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم» [1] .
والرجيع هو الروث والعَذرة، وسنتناول في هذه العجالة مسألة من هذه المسائل وهي فيما يتعلق بغذاء الإنسان الذي نجد الاهتمامات البشرية اليوم منصبة عليه، ويرون أنه عنصر فعال فيما يصيب الإنسان من أمراض نتيجة نقصه أو الإفراط فيه، فها هي أمراض القلب والسكر تشكل قلقًا عالميًّا، وتكاد تنحصر في طبقة الأغنياء، بينما نجد الأمراض الأخرى المترتبة على نقص الغذاء تجتاح المجتمعات الفقيرة، فنقص الغذاء وزيادته طرفا نقيض وكلاهما مذموم، وهذا ما نجد علاجه في آية واحدة من القرآن الكريم وهي قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [2] . وسر ذلك ما يعبر عنه
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (1/ 223 - 224 رقم 57) في كتاب الطهارة، باب الاستطابة.
(2) سورة الأعراف: الآية 31.