تساوى لديها الليل بالنهار، جرت دموعها حرّى على وجنتيها، وغلظة ممرضات القسم تكمل على ما بقلبها من همٍّ وغم، وهن يسألنها بسخرية عن ابنها، وأقاربها، فتجيب دموعها، وينحبس صوتها.
تنتكس حالتها الصحية، وتتدهور مرة أخرى، وتأتي إليها الأخصائية الاجتماعية، وتسألها عن ظروفها، وتطلب عنوان ابنها، ولكنها لا تجيبها إلى مطالبها، ولا ترد عليها إلا بعبارة.
دعيهم، فالله معي، ولا حاجة بي إليهم، تمر الأيام طويلة حزينة، وفي لحظة ضعف شديدة، ترفع يديها للمنتقم الجبار، وتدعو عليهم، وتلفظ أنفاسها الأخيرة على السرير الأبيض وحيدة.
قال الشاعر:
لأمك حق لو علمت كثير
كثيرك يا هذا لديه يسير
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي
لها من جواها أنَّةٌ وزفير
وكم غسلت عنك الأذى بيمينها
وما حجرها إلا لديك سرير
وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها
حنانًا وإشفاقًا وأنت صغير