فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 575

ومعنى قوله (التغرير في النفوس) الاقتحام بها على موارد الهلكة في سبيل الله تعالى، بغية الإثخان في العدو والانتصار للدين.

5ـ وقال الإمام الشاطبي رحمه الله (ما جاء في نصوص الإيثار في قصة أبي طلحة في تتريسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وقوله(نحري دون نحرك يا رسول الله) ـ رواه البخاري وغيره ـ ووقايته له حتى شلت يده، ولم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإيثار النبي صلى الله عليه وسلم غيره في مبادرته للقاء العدو دون الناس ليتقى به فهو إيثار راجع إلى تحمل أعظم المشقات عن الغير، ووجه عموم المصلحة هنا في مبادرته صلى الله عليه وسلم بنفسه ظاهر، لأنه كان كالجنة للمسلمين، وفي قصة أبي طلحة أنه كان وقى بنفسه من يعم بقاؤه مصالح الدين وأهله وهو الرسول صلى الله عليه وسلم) الموافقات 2/ 280

وما ذكره الإمام الشاطبي هنا استدلال دقيق وغاية في التحقيق، لان تعريض أبي طلحة رضي الله عنه نفسه للسهام هو بقصد إتلاف النفس فداء لنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، لان مصلحة بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم أرجح من مفسدة قتل أبي طلحة نفسه رضي الله عنه، فدل على جواز أن يعرض الإنسان نفسه للموت المحقق إذا نوى استبقاء أمّة من المسلمين أو من يقوم بالأمة، وبهذا يعلم أنه متى تحققت هذه القاعدة وهي ترجح مصلحة عظيمة في الجهاد يحصل بها استبقاء نفوس العدد الكبير من المسلمين بإلحاق الهزيمة السريعة والحاسمة بالعدو بعملية استشهادية فان ذلك مشروع بل هو داخل في معنى قوله تعالى (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) .

(6) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (فان الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يُقاتلوا، فانه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار، ولو لم نخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضا في أحد قولي العلماء، ومن قتل لأجل الجهاد الذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم هو في الباطن مظلوم ـ كان شهيدا وبعث على نيته ولم يكن قتله أعظم فسادا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين، وإذا كان الجهاد واجبا وان قتل من المسلمين ما شاء الله، فقتل من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا) مجموع الفتاوى 28/ 538.

وقد تبين فيما ذكره هذا الإمام أن الجهاد مبني أصلا على تعمد وقوع القتل القليل لتحصيل المصالح العظيمة، سواء وقوعه في الكفار ليسلم باقيهم ويدفع خطر الكفر على البشرية، ووقوعه في المسلمين جراء تعرضهم للحرب لتحصيل ظهور دين المسلمين على الدين كله.

ولهذا قال من قال من العلماء، أن الكفار لو جعلوا المسلمين دروعا بشرية كما تسمى هذه الأيام، وخيف وقوع مفسدة عظيمة كخوفنا على باقي المسلمين من صولة الكفار على بلاد الإسلام، فيما لو ترك قتال الكفار المتخذين لهذه الدروع البشرية، فانه يجوز رميهم ولو تيقنا أننا سنصيب بعض المسلمين، وأنهم لو قتلوا فهم شهداء في سبيل تحصيل مصلحة أعظم، وكذلك قد قال بعض العلماء حتى لو لم نخف على المسلمين من صولة وشيكة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت