ج1ص137
المقام كل إنعام بنعمة ولما كان هذا الشمول ادّعائيًا قال: لأنّ من أنعم إلخ ومن لم يفهم ما قالوه هنا قال بعدما أورد من كلامهم أقول ينافي هذا التأويل إسناد العموم إلى الإطلاق إذ لو قيد وقيل: أنعمت عليهم بنعمة الإسلام ، أو الذين أنعمتة عليهم يستفاد منه العموم ، ولا دخل للإطلاق في إفادة العموم فحينئذ يكون الحذف للاختصار ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد أنّ مفعول أنعمت المحذوف هو نعمة الإسلام حتى يرد عليه ما ذكر بل هو عام ، وجعل المطلوب باهدنا
الذي هو سلوك طريق الإسلام عامّا إنما استفيد من تقييد الطلب بصراط من أنعمت ، وتعليقه به على ادّعاء إن الإسلام كل نعمة ، وقد خبط خبط عشواء ، ولم يهتد للصراط المستقيم وهو أظهر من أن يخفى . قوله: ( يشترك إلخ ( في بدائع ابن القيم اختلف السلف هل لله على كافر نعمة فقيل: لا نعمة له عليه لظاهر قوله تعالى: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ } [ مريم: 58 ] الآية وقيل: قد يكون منعمًا عليه ، والصواب إنّ مطلق النعم يعم البرّ والفاجر والنعم التامّة مختصة بالمؤمنين لاتصالها بسعادة الأبد وهو الحق اهـ وهو ملخص كلام الإمام هنا . قوله:( بدل من الذين أو صفة إلخ ) قدم البدلية إشارة لترجيحها لما فيها من وجوه المبالغة والنكت السالفة ، وهو بدل كل من كل ولم يجعله بدلًا من ضمير عليهم لا لأنه يلزم خلو الصلة عن الضمير لأنّ المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة ، كما يتوهم بل لأنه لا يخلو من الركاكة بحسب المعنى ، وهذا مختار أبي عليّ ، وقول أبي حيان: إنه ضعيف لأنّ غير في أصل وضعه صفة بمعنى مغاير والبدل بالوصف ضعيف ولذا أعربه سيبوبه صفة غير متجه لأنّ غير أغلبت عليه الإسمية ، ولذا كان في الأكثر غير مجرى وقدم الصفة المبينة ، وهي الكاشفة المنزلة منزلة التعريف كما صرّحوا به ، لأنّ المنعم عليهم بالإسلام المهتدين لطريق الاستقامة لا يكونون من أهل الغضب ، واذا أريد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالأمر ظاهر ، ولذا لم يبينه صريحًا لأنّ قوله على إلخ يحتمل رجوعه إلى الوجوه الثلاثة أماة الآوّل فلكونه عينه ولأنّ الصفة والموصوف كشيء واحد لما مز ، ومنهم من أرجعه إلى الأوّل فقط وجعل قوله هم الذين سلموا نظير ما مرّ من قوله فهو المشخص المعين ، وهذا بناء على ما وقع في بعض النسخ ، وهو بدل من الذين على معنى أنّ المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال ، أو صفة له مبينة أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة ، وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من الغضب والضلال اهـ وهذه عبارة الكشاف بعينها وفي بعض الحواشي هنا تصخيح هذا الوجه أيضا فيتجه حينئذ وقال قدس سرّه: إذا جعل غير المغضوب بدلًا من الذين أريد بالثاني الذات مع قصد تكرير العامل وتفسير المبهم ، فيؤخذ منه تلك المبالغات ، فقوله: هم الذين سلموا نظير لقوله: فهو المشخص المعين ، وبذلك يظهر أن الإبدال أوقع ، وإن جعل صفة كان المعنى أنهم جمعوا بين النعم المطلقة التي أثبتت لهم بطريق الصلة وبين السلامة التي أثبتت لهم بطريق الصفة ، وفي قوله: ههنا نعمة الإيمان إشاوة إلى أنّ الإيمان متحد بالإسلام ومشتمل على الأعمال كما هو مذهبه ، وحينئذ يكون الوصف بالسلامة من الغضب والضلال بعد إثبات ألإيمان تأكيدًا لا تقييدًا وتخصيصا ، وهو المراد بالصفة المقيدة إلآ إذا حمل الإيمان على التصمديق وحده أو مع الإقرار كما ذهب إليه غيره اهـ . ومما مرّ علم معنى المبينة والمقيدة وأنّ الإيمان إن شمل الأعمال فالصفة مبينة والآ فهي مقيدة ، وقد أورد على ما في الحواشي الشريفية أنّ قوله ، فهو المشخص المعين حكم على البدل بالتشخص
والتعين بما يشتمل عليه المبدل منه من الصفة الذي هو كالعلم فيها ، وقوله: هم الذين سلموا حكم على المبدل منه بالبدل وانحصار الأوّل في الثاني ، أو عكسه بل هو حكم بالاتحاد ، وهو المناسب لكون الثاني تفسيرا للأوّل فكيف يكون نظيرًا له ، ويمكن أن يقال إذا أريد به قصر المسند إليه على المسند أفاد ما يفيده . قوله: فهو المشخص المعين إلخ من الحصر . وهذه العبارة في كلام المصتف رحمه اللّه نظير قوله الطريق المستقيم ما يكون طريق المؤمنين لا نظير قوله: طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة ، ثم جعله بدلًا على تقدير كون الموصول عبارة عن كمل المؤمنين المشتمل إيمانهم على الأعمال والمراد بالمغضوب عليهم والضالين مطلقهما كما يشعر به