ج1ص135
صفة في الفاعل وصفة في المحل القابل ، فالأوّل الجود الإلهيّ الذي هو ينبوع الوجود على ما يقبله وصفة القابل هو الاعتدال الحاصل بالتسوية ، كما قال تعالى: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } [ الحجر: 29 ] وهو في الأصل استعارة تمثيلية أو تصريحية أو مجاز مرسل ، ثم صار حقيقة شرعية في فيض الأرواح على ذويها ، وسيأني إن شاء الله تعالى تفصيله في سورة الحجر وما قاله المصئف فيه ، ثم إنّ المصتف رحمه اللّه قسم ومثل بالأنعام تسمحًا ، أو المراد الحاصل بالمصدر وتقسيمه على سبيل منع الخلو ، فلا يرد عليه أنّ معرفة الله تعالى دنيوية وأخروية ، ولا حاجة إلى ادّعاء تغايرهما ونحوه ، وبدؤه بما ذكر إشارة إلى أنّ الحياة أصل النعم وأنها نعمة في
ذاتها ويتوقف جمليها الانتفاع بغيرها والشيء لا يكمل إلآ إذا أمكن الانتفاع به ، وما قيل نقلًا عن التأويلات النهجة أنّ النعم .
إمّا ظاهرة كإرسال الرسل وانزال الكتب والتوفيق لقبوله وإتيانه به والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية .
وإمّا باطنة وهي ما أصاب الأرواح في عالم الذرّ من رشاس نور النور:
وأوّل الغيث قطر ثم ينسكب
فكان على المصنف أن يدخله في تقسيمه ليس بشيء لدخول ما ذكر في الروحاني ، إذ
نعمة العقل والفهم إنما تعد نعمة إذا اهتدى بها للتصديق بما ذكر ، وقيل: إنه لم يتعرّض لها لأنه لم يلتزم تعداد جزئيات النعم ، وانما حصر أجناسها وهذه داخلة في النعم الدنيوية الموهبية ، وقد جعل أيضا قسمي الموهبية من الدنيوية نظرا إلى أنها موهبة في الدنيا حالًا ، وان كانت من الأخروية مالًا ، والروحاني بضم الراء ما فيه الروح ، وكذلك النسبة إلى الملك والجن ، وهي نسبة على خلاف القياس ، وأراد به هنا ما يقابل الجسماني مما يتعفق بالروح ، وجسماني بالضم نسبة إلى الجسمان وهو الجسم ، والجثمان بالثاء المثلثة بمعناه أيضا ، ولك أن تقول إنه الروح لمشاكلته الجسماني . قوله: ( وإشراقه بالعقل ) ضمير إشراقه للمنفوخ فيه المعلوم من النفخ ، وفيل: هو للإنسان أو للبدن كضمير فيه لفهمه من السياق وأرجعه بعضهم للروح لتأويله بمذكر ، فإنها مؤنث سماعيّ ، والعقل قوّة للنفس تدرك بها الكليات والجزئيات المجردة ، ويتبعها ذلك الإدراك ويسمى نطقا وهو المراد بالناطق في تعريف الإنسان ، ويكون بمعنى ما يعبر به عما في الضمير ، وهذا معناه الحقيقي في اللغة والعرف العامّ ، والفكر ترتيب أمور معلومة لتؤدّي إلى مجهول ، والكلام عليه مفصل في محله وعلم ما أدى إليه الفكر هو الفهم وهذه أمور كسبية ، والقوى جمع قوّة والمراد بها النفسانية التي هي مبدأ النطق وأخويه قيل: وهي عين العقل ومتحدة بقوّة الفهم ويتبعها أيضا سرعة الانتقال إلى المطالب ، ويمكن أن يطلق عليه الفهم والذكر ، وهو العلم بالشيء بعد ذهابه عن النفس ويطلق عليه الفكر والتعبير عما في النفس نطق ، والآخر كسبيّ ، والأولان قد يكونان فيما للاختيار دخل فيه ، ومباديها قوى موهبية تابعة للعقل ، فينبغي أن يحمل عليها إذا عرفت هذا ، فالتمثيل بالنطق لا يخفى ما فيه لأنه بمعنى إدراك الكليات كسبيّ ، كما برهن عليه في المنطق والقوّة التي هي مبدؤه عين العقل ، وهو بمعنى التكقم أو مبدئه جسمانيّ ، وجعل للعقل إشراقا على طريق التمثيل لأنه نور إلهيّ ، وقد عرّف بذلك وقيل القوى تعم الحواس الظاهرة والباطنة لكن قوله كالفهم إلخ يقتضي تعميمه بحيث يشملهما ، وادراكهما وادراك العقل وما يترتب عليه ، والفهم المطلق بمعنى الإدراك ، والفكر ترتيب المعلومات والنطق إدراك الكليات أو ما يعبر به عنها والقوى البدنية
كالنامية وأخواتها ، ويحتمل أن يراد بها ما يعم الحواس ، ويراد بالأولى الإدراكات ، فإنها يقوى بها العقل فتدبر . قوله: ( كتخليق البدن إلخ ) البدن والجسد بمعنى ، وقد يفرق بينهما وتخليقه إعطاؤه خلقه ، وتكميل بنيته والقوى الحالة فيه معطوف على تخليق ، والمراد بها القوى الطبيعية التي قسمها الحكماء والأطباء إلى خادمة ومخدومة متصرّفة لأجل التشخص أو لأجل النوع كالنامية والغاذية والجاذبة والدافعة ، والهيئات العارضة جمع هيئة ، وهي عندهم مرادفة للعرض فقوله العارضة أي للبدن صفة مفسرة . وقوله: ( من الصحة إلخ ) بيان لها ، فإنّ الصحة عندهم هيئة بدنية تكون الأفعال بها سليمة لذاتها ويقابلها المرض ، وكمال الأعضاء ظاهر . قوله: ( والكسبي إلخ ) الظاهر أنّ الكسبي أعمّ من أن يكون ووحانيًا كتزكية النفس ، أو جسمانيًا كتزيين البدن ، أو خارجا عنهما وسيلة