ج1ص134
مرتب ، فالأوّل بالنسبة لأصحاب موسى عليه الصلاة والسلام ، والثاني بالنسبة لأصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام ، والظاهر أن كلًا منهما بالنسبة إلى كل منهما وقيل: هم مؤمنو الأمم السابقة وقيل: هم المؤمنون مطلقًا ، وهو الأولى والأنسب ، وليس بزائد على ما مرّ كما توهم .
واعلم أنّ التوراة والإنجيل اللذين عند اليهود والنصارى الآن اختلف فيهما هل هما مبدلان ومحرّفان لفظا أو تأويلًا ، فأمّا التوراة فأفرط فيها قوم وقالوا كلها أو جلها مبدل حتى جوّزوا الاستنجاء بها ، فليست المنزلة على موسى عليه الصلاة والسلام ، وذهبت طائفة من الفقهاء والمحدّثين إلى أنّ ذلك إنما وقع في التأويل فقط كما صرّح به البخاري ، واختاره الفخر الرازي وغيره لقوله تعالى: { قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [ أل عمران: 93 ] وهو أمر للنبيّ عليه الصلاة والسلام بالاحتجاج بها والمبدّل لا يحتج به ، ولما اختلفوا في الرجم لم يمكنهم تغيير آيته منها ، وتوسطت طائفة وهو الحق فقالوا: بدل بعض منها وحرف لفظه ، وأوّل بعض منها بغير المراد منه ، وإنه لم يعط منها موسى عليه الصلاة والسلام لبني إسرائيل غير سورة واحدة ، وجعل ما عداها عند أولاد هارون ، فلم تزل عندهم حتى قتلوا عن آخرهم في وقعة بختنصر ، وبعد ذلك جمع عزير بعضًا منها ممن حفظها ، فهو الذي عندهم اليوم وليس أصلها وفيه زيادة ونقص ، واختلاف ترجمة وتأويل ، وأمّا الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاظه ومعانيه ، وهو مختلف النسخ ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه المفيد في التوحيد . قوله: ( صراط من أنعمت ) فيه دليل على جواز إطلاق الأسماء المبهمة كمن على الله كما ورد في الأحاديث المشهورة يا من بيده الخير ونحوه ، فلا يغرنك ما نقله الحفيد عن صاحب المتوسط من منعه . قوله: ( والإنعام للصال النعمة إلخ ) قال الراغب: النعمة الحالة الحسنة ، لأنّ بناء الفعلة بالكسر للهيئة كالجلسة والركبة والنعمة بالفتح للمرّة كالضربة ، وهو بمعنى التنعم ، ولذا قيل كم ذي نعمة لا نعمة له أي لا يتنعم بما رزقه الله ، والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير من العقلاء كما قاله الراغب فلا يقال: أنعم على فرسه ، ولذا قيل إنّ النعمة نفع الإنسان من هو دونه لغير عوض ، والنعماء إزالة الضراء ، والنعمى ضد البؤسى ونعمه بالتشديد جعله في نعيم ، ولين عيش وناعم وناعمة من
نعومة المسلمين ، وأصل معناه لغة من النعمة بالفتح ، وأصله في المستلذات الحسية ، ثم أطلقت على المعنوية ، كنعمة الإسلام لأنّ اللذة عند المحققين أمر تحمد عاقبته ، ولذا خصها بعضهم بالمعارف ، وقيل: لا نعمة لله على كافر ، ولما فيها من الإيصال والإنهاء كان حقها أن تعدّى بإلى لكنها عديت بعلى إشارة لعلو المنعم ، ولذا قيل اليد العليا خير من اليد السفلى فقوله: من النعمة بالفتح ، وهي اللين ظاهر ، وفي نسخة من نعمة الإسلام؟ وهي الدين وهي صحيحة أيضا ، وليست تحريفا لأنّ إضافته بيانية قال تعالى: { وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ } [ سورة البقرة: 211 ] وكذا ما في بعضها من النعهمة ، وهي الدين مع ما فيه من الركاكة ، ولا ينافي تخصيصها بنعمة الإسلام الإطلاق المستفاد من ظاهره لشمول الإسلام لكل نعمة ، وششلذ . بمعنى يجده لذيذًا وقد يعدى بالباء ، وعدى الإطلاق باللام ، وهو معدّى بعلى لكونه بمعنى الاسنعمال أي استعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة ، فهو من إطلاق المسبب على السبب . وقوله: ( لا تحصى ) أي لا تعد أنواعها فضلًا عن أفرادها قال تعالى: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا } [ النحل: 8 ا ] أي نعمه تعالى ، لأنّ الإضافة تفيد ما تفيده اللام قيل: وقيه نكتة حيث قال: نعمة دون نعم مع أنّ عدّ الواحد هين بل ليس هو بعدد لاشتمال كل فرد منها على نعم لا تحص كنعمة الصحة مثلًا ، لو أريد تفصيلها جزءًا جزءا ظاهرا وباطنا أعجزت العادّ ، وفسرها بعض الفضلاء بقوله: إن تشرعوا في عد أفراد نعمة من نعمه لا تطيقوه فتدبر . قوله: ( روحانئ كنفخ الروح إلخ ) تحقيق التسوية ونفخ الروح على ما نقله في كتاب الروح عن حجة الإسلام أنّ التسوية تهيئة المحل القابل للروح ، كطينة آدم عليه الصلاة والسلام ونطفة بنيه ، لأن يقبلها كالفتيلة التي تتقد بشرب الدهن لتعلق النار بها ، وأصل النفخ إخراح هواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ ، وهو غير متصوّر في حقه تعالى ، إلًا أنّ النفخ لما كان سببًا لاشتعال النار في بعض الأجساد ، ويعذ ذلك نتيجة له عبر عن نتيجة النفخ بالنفخ وان لم يكن على صورة النفخ ، والسبب الذي اشتعل به نور الروح في فتيلة النطفة