ج1ص12
لأن من فعل لعوض يناله فهو فقير ، أو متجر والغنيّ هو الذي لا يحتاج في ذاته وكماله إلى غيره ، والغنيّ المطلق هو الذي وجوده من ذاته ، وهو نور الأنوار ولا غرض له في صنعه بل ذاته فياضة للرحمة ، وهو الملك المطلق كما في هياكل النور ، وأصل الفيض سيلان الماء من جوانب ما هو فيه لزيادته ، ووجه الثبه كثرة المنافع ، أو هو من فاض الخبر إذا شاع فيكون حقيقة كما فصل في حواشي شرح المطالع ، وفائض الجواد وصف بحال المتعلق كواجب الوجود أي فائض جوده وواجب وجوده . قوله: ( ويا غاية كل مقصود ) أي كل مطلوب يطلبه كل طالب لا بدّ أن ينتهي إليك ، فإنك المفيض للخير لا سواك من الوسايط ، فالمراد
بالغاية معناها اللغوي وهو المنتهى ، وهذا هو الظاهر ، أو هو من العلة الغائية ، ومعنى كونه العلة الغائية أنّ ذاته كافية في وجود ما يوجد ، ويصدر عنه ، فهو بذاته علة فاعلية من حيث التأثير ، وعلة غائية من حيث كونه المقتضي لفاعليته على نحو ما حقق في كون صفاته تعالى عين ذاته ، كما قاله الدواني في"شرح هياكل النور"فتأمّل في الوجهين ، واختر لنفسك ما يحلو ، ويحتمل أن يكون المعنى أنه أسنى المقاصد وأعلاها فإن جميع الموجودات وسيلة لمعرفته التي هي نهاية المآرب ، وقبلة وجوه المطالب .
لمانما أنت مغناطيس أنفسنا فحيثما كنت دارت نحوك الصور
وإطلاق الغاية وقع في كلام الحكماء كالمبدإ ، ولما كان غاية الغايات دعا بعد التوجه إليه للواسطة بيننا وبينه ، فقال: صلى عليه أي على عبدك ونبيك السابق ذكره . قوله: ( توازي غناءه الخ ( سيأتي معنى الصلاة ، وتوازى بمعنى تقابل ، وتساوى وماضيه آزى ، وتبدل همزته واوًا في المضارع فيقال: يوازي ولا يبدل في الماضي ، فيقال: وازى ، وهي مولدة عند بعض أهل اللغة ، وقال التبريزي: يجوز حملاَ على المضارع وتجازى تكون جزاء وعوضا ، والغناء بفتح الغين المعجمة والمد النفع ، وقيل: معناه اقامته للدين لقوله في القاموس: ما فيه غناء ذاك أي إقامته ، ولا يخفى ما فيه من الركاكة ، والعناء بالمهملة التعب ، ونفعه عليه الصلاة والسلام في الدارين أجلى من البيان ، وتعبه في تبليغ الرسالة ، واعلاء كلمة الله على ما فصل في السير مما لا تفي به طاقة البشر ، والمعنى صل عليه صلاة لا تحصى ولا تعد ، كما أنّ منافعه وما تحمله من اعباء الرسالة كذلك ، والغناء بالمعجمة في الأوّل ، وبالمهملة في الثاني ، وأجاز بعضهم عكسه ، وجزالة المعنى تأباه ، وفي قوله توازى وتجازى جناس مضارع ، وفي قوله غناءه وعناءه جناس مصحف ، وهذا مأخوذ مما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا من أن من قال: جزى اثبما عنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أهله ، أتعب سبعين كاتبا ألف صباح . قوله:( وعلى من أعانه الخ ) الإعانة المساعدة قولًا وفعلًا ، والمراد بهم الصحابة رضي الله عنهم ، وبما يعده من خلفهم من التابعين وعلماء الدين والتقرير والتقوية والتثبت ، وتبيانه بكسر التاء المثناة الفوقية مصدر بمعنى البيان ، وفي وزن تفعال بالكسر كلام سيأتي في محله ، وفي نسخة بنيانه بضم الباء الموحدة مصدر بناه يبنيه ، وهو استعارة لما أتى به من الشرع وأحكامه كما في الحديث ) بني الإسلام على خمس"( 1 ( والتقرير على النسخة الأولى من قرّر المسألة حققها وبينها فجعلها قارّة في الأذهان أو في نفسها ، وعلى الثانية من القرار والبقاء ترشيحا لاستعارة البناء ، لأنه من شأنه"
أو استعارة أخرى تبعية ، وتقريرا مصدر مؤكد . قوله: ( وأفض علينا من بركاتهم الخ ) قد مرّ تحقيق الإفاضة ، وما يدلّ على أنها الإحسان الكثير والبركة للزيادة والنماء ، وهي هنا زيادة معنوية ، والمعنى حصل لنا الخيرات بالتوسل بهم إليك حتى كان ذلك من نفس خيراتهم ، أو علمنا علومهم ، وأفض علينا من معارفهم . قوله: ( واسلك بنا مسالك كرامائهم ) أي أدخلنا في الطريق التي أوصلتهم إلى إكرامك لهم بنيل المراتب العلية عندك ، وبما أعددته لهم مما هو ، كالمنزل لهم في دار البقاء ، وهذا أحد معاني الكرامة ، وقال بعض الفضلاء ذكرهما بين صل وسلم لكونه أقرب إلى الاستجابة لوقوعهما بين المستجابين ، ولو بالنسبة إلى بعض المدعوّ لهم ، والباء في بنا للدلالة على التكرير والدوام ، فإنّ السلك بالفتح بمعنى الإدخال متعد قال تعالى: { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ } [ الشعراء: 200 ] وفي لغة أخرى يقال أسلك فيه ، وأدرج دعاء التسليم على من أراده بضمير علينا في دعاء التسليم على النبي صلى الله