يقول رحمه الله: (ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء، والشدة) أي: إنهم يقع منهم الشرك في الرخاء، كما أنه يقع منهم الشرك في الشدة، فهم لا يخلصون العبادة لا في حال الرخاء والسعة، ولا في حال الشدة والضيق، والدليل على ما كان عليه المشركون المتقدِّمون: قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [1] هؤلاء أخلصوا في الفلك، أي: لما ركبوا البحر أخلصوا لله - عز وجل - الدعوة، فلم يصرفوها لغيره، أخلصوا له الدين الظاهر، والباطن، الذي هو عمل القلب، وقول اللسان، فلما نجاهم إلى البر، لما حصلت لهم السلامة، والنجاة من الشرك إذا هم يشركون، وأتى بهذا التعبير الدال على المفاجأة، فإن (إذا) فجائية، يعني: خلاف ما هو متوقع، فالمتوقع أنهم يدومون على حال التوحيد، وإخلاص العبادة، لكن الأمر جاء على خلاف ذلك، فكان حالهم أنهم أشركوا في الرخاء لقوله تعالى: {إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} أما حال المشركين المتأخرين، فالذي يعاشرهم يجد أنهم يدعون الأصنام حال الكرب أكثر منه في حال الرخاء، فإنهم إذا اشتدت عليهم الأمور، وضاقت عليهم الأحوال وتوالت عليهم الخطوب، وادلهمَّت الأمور كان فزعهم ودعاؤهم وسؤالهم لغير الله جل وعلا، وهذا على خلاف ما عليه الحال من أهل الشرك المتقدم، وهذا الكلام لا يعني أن المشركين في الزمن المتأخر هم أسوأ من حال المشركين من كل وجه في الزمن المتقدم، لأن بعض المعارضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى يقولون: إن الشيخ بالغ في وصف حال المشركين في الزمن المتأخر، ويزكي حال المشركين المتقدمين، ووجه ذلك على حدِّ زعمهم: أن المشركين المتقدمين كان يقع منهم الشرك في الرخاء، هذا كلام الشيخ رحمه الله.
(1) العنكبوت: (65) .