ثم قال: ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [1] وهذان صنمان كانا يعبدان من دون الله في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهما: الأول اللاّت: حجر يعبد من دون الله، والعزى: شجرة كانت تعبد وتعظم من دون الله، وحديث أبي واقد الليثي قال: (( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر ) )وهذا الوصف لا يطلق على كلَّ من كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إنما كان وصفًا لبعضهم، وهم من أسلم عند فتح مكة، أما السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار فهؤلاء لم يكونوا حدثاء عهد بكفر، ولم يجرِ منهم ما ذكر في هذا الحديث، إنما جرى من مسلِِمة الفتح، الذين لم يكن قد رسخ التوحيد في قلوبهم، ولم يعرفوا حق الله - عز وجل - في هذا الأمر، ولذلك اعتذر رضي الله عنه عما بدر من طلب مشابهة المشركين في التبرك بالشجر بقوله: ونحن حدثاء عهد بكفر، إذ إن هذا لا يحصل إلا ممن لم يعرف الإسلام حق معرفته، ولم يرسخ في قلبه الإيمان رسوخًا يقطع عنه علائق الشرك، ويطهره من لوثات الوثنية، قال في سياق الحديث: (( وللمشركين سدرة يعكفون عندها ) )، يعكفون: أي يلازمون، ويقيمون عندها، وذلك لطلب البركة منها، سواءٌ البركة بالنصر، أو البركة بغير ذلك، والظاهر أنهم يقصدون بها بركة النصر لقوله: (( وينوطون بها أسلحتهم ) )، أي: يعلقون أسلحتهم بهذه الشجرة، يطلبون منها أن تبارك في أسلحتهم، وأن تنصرهم على أعدائهم، وهذا شرك، وهل هو شرك أكبر أو أصغر؟ يحتمل أن يكون شركًا أكبر، أو شركًا أصغر، فإن كان فعلهم هذا على أن الشجرة سبب لحصول النصر والقوة فهو شرك أصغر، وإن كان اعتقادهم أن الشجرة تفعل بذاتها، وتهب النصر وتهب البركة بذاتها فهو شرك أكبر، وكلاهما مذموم خطير، فالشرك الأكبر عظيم، والشرك الأصغر كذلك وإن كان دونه، لكنه يدخل في عموم قول الله جل وعلا: إِنَّ
(1) النجم: (19) .