وأمَّا الكاتب والشُّهود؛ فلِمَا قاموا به من الإعانة عليه؛ سَواء كان ذلك تبرُّعًا أو بأجرة، وإذا كان هذا جَزاء مَن اشتَرَك في عَقْدٍ واحدٍ من عُقود الربا، وهو أقلُّ ما يمكن، فكيف بمَن أمضى سنوات طويلة من عُمره وهو يَأكُله، أو يُوكِله، أو يكتُبه، أو يشهد عليه، أو يُعِين أهلَه بإجازةٍ أو خدمة أو دَعوة وتحسين له ودِعاية لأهله، أو يُدافِع عنهم ويَنصُرهم؟! وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"لعَن الله مَن آوَى مُحدِثًا" [18] ، فيمضي فترةً ثمينة من عمره وهو عاصٍ لله، محاربٌ له، متعرِّض للَعنِه وسُوء عُقوبته، وصدَق الله العظيم في وَصْفِه الإنسانَ بقوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] ؛ أي: ظَلُومًا لنفسه يُحمِّلها ما لا تُطِيق من البَلاء، جَهُولًا بعاقِبة أمره.
12 -حكمُ آكِل الربا مع عِلمِه بتحريم الله له القتلُ:
قال العلماء: مَن أصرَّ على المعاملة بالربا ولم يترك الزائد - أي: الفوائد - للغرماء، فإنْ قدر عليه الإمام - أي: ولي الأمر - عزَّره بما يَراه رادعًا من الحبْس، أو الضَّرب، أو الصلب على خشَبة يربط عليها يومًا أو أيَّامًا في مواقع متعدِّدة؛ ليخزيه بين الناس، وإنْ كان المصرُّون على التعامُل بالربا جماعة محتَمِين قاتَلهُم الإمام - أي: بعد استتابَتِهم - إنْ لم يتوبوا، قال ابن عباسٍ:"مَن عامَل بالربا يُستَتاب، فإنْ تاب وإلا ضُرِبت عُنقُه".
قلت: وقد كتَب النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى عَتَّاب بن أَسِيدٍ عامِلِه على مكَّة، بشأن قومٍ من أهل مكَّة طلَبُوا مالَهم من ربا عند الناس بعد الإسلام، كتب إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278، 279] .