وكم شهد الناس من مُؤسَّسات أفلسَتْ، ودول شُنَّت عليها الحروب المدمِّرة التي استَنزَفت ثرواتها!
8 -كما أنَّ التاريخ يشهد:
أنَّ الربا كان هو الوسيلة الفعليَّة والذَّريعة الواضحة للاستِعمار الذي تعرَّضت له عدَّة دول إسلاميَّة وغير إسلاميَّة في القَرْنِ الماضي؛ حيث اقترضت تلك الدول الفقيرة من دولٍ غنيَّة بالربا، ثم فتَحتْ أبوابها للمُرابِين الأجانب، فلم تمضِ بضعُ سنوات حتى تسرَّبت الثروة التي بيد سكَّان الدُّوَل الفقيرة إلى الأجانب، وحين أرادت تلك المجتمعات الضعيفة الذود عن نفسها استَعدَى المرابون الأجانب دولهم، فتدخَّلت الدول الغنيَّة تحت ستار حماية رَعاياهم، ثم تَغلغَلتْ حتى وضَعتْ يدها على سائر شُؤون تلك المجتمعات والدُّوَل الفقيرة، فتحقَّق الاستِعمار بجميع أشكاله، (ومَن قرأ تاريخ الاستعمار في شبه القارة الهندية وشمال إفريقيا، تبيَّن له ذلك) .
ولعلَّ مشكلة الديون الدوليَّة القائمة الآن تجدِّد التذكير بخطر الربا مستقبلًا؛ لأنَّها قد تستغلُّ فرصة لخططٍ تُجدِّد ما سبق، وهي من قواعد الاستعمار وبنيانه في عدَّة جهاتٍ من العالم.
9 -وحقيقة ينبغي ألاَّ تغرب عن البال:
وهي أنَّ الربا زنزانةٌ يخنق بها المجتمع نفسَه من نواحٍ عدَّة؛ لأنَّه يعني في النهاية اجتماعَ أرصدة ضَخمة من أموال الناس بأيدي فِئةٍ من الظَّلَمة تُكسِبها تلك الأموال نُفوذًا كبيرًا، وتأثيرًا بليغًا في المجتمع؛ لما لها من ديونٍ، وما بيدها من رهون وأموال، وما لها من جاهٍ وعلاقة، مع أنَّها لا تعمَل - غالبًا - إلا لما يثبت أسُسَها، ويخدم مَصالِحها، ويوسع أرباحها، دون رَحمةٍ بالناس أو لُطفٍ، أو تقدير لأخلاق أو قيم أو مبادئ، كيف وقد استباحت الربا واستحلَّت حرمته، وأعطَتْ لنفسها حق تعدِّي حُدود الله والوُقوع في حِماه؟!