ولذلك يُلاحَظ انصِراف أكَلَة الربا - غالبًا - عن فِعل الخير والإحسان إلى الناس بالقرض الحسن، وإنظار المعسر إلى يُسرِه، وتنفيس كُربته ابتِغاءَ وجْه الله، فإنَّ مَن يُقرِض المال بالربا (الفائدة) يشقُّ عليه أنْ يبذله لأحدٍ دُون فائدةٍ مشروطةٍ؛ لأنَّ أصحاب الربا يحسبون لأرباح المال خِلال فترةٍ معيَّنة حِسابًا ينسيهم أرباح فعل الخير في الآخِرة، وقد لا يُوَفَّقون لفِعل الخير، ولو ذكَرُوه وعَلِمُوا حُسنَ عاقبته، وصدَق الله العظيم إذ يقول: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 86] .
الاعتماد على الربا يَمنَع أهلَه - غالبًا - عن الاشتِغال بالبَضائع التجاريَّة والمشروعات الإنتاجيَّة:
التي تنمي البلاد، وتَنفَع العِباد؛ لأنَّ هذه الأمور في نظَر أهل الربا تتعرَّض للربح والخسارة، وهم لا يُرِيدون إلا أرباحًا مضمونة قدر المستطاع - ولو على حِساب غيرهم - ولذلك يقصرون نشاطَهم الاقتصادي على العملات والأثمان فقط بوجوهٍ من التعامُل كلها ربا؛ من الإقراض بفائدة، أو أخْذ الفائدة على الديون، أو بيع هذه الأشياء بجِنسها مع تفضيل أحد المبيعين على الآخَر، أو بيعها دون قبضٍ وحِيازة، أو تشغيلها في بنوكٍ خارجيَّة بالربا ونحو ذلك، أمَّا المصانع والمزارع ونحوها، فيندر أنْ يُشارِكوا فيها.
7 -ولقد شَهِدَ الواقع أن الربا كان سببًا لإفلاس كثيرٍ من الدول والمجتمعات والمؤسسات الماليَّة:
لأنَّ الطمع في أرباحه دفَع المُتَعامِلين به إلى تحويل أرصدتهم وسحْب السيولة النقديَّة من بِلادهم إلى بُلدان أخرى قويَّة وذات نفوذ، فتتمكَّن تلك الدُّوَل الأخيرة من الهيمنة على هذه الأموال، ربما بشكلٍ يُعرِّضها للخطر من عدَّة جِهات، بينما تتعرَّض بلدان ذوي الأموال للجَفاف من السيولة النقديَّة، وتتعرَّض لكسادٍ اقتصادي غير متوقَّع.