إنهم ما كانوا يفعلون ذلك إلا للمصالح الدنيوية من جلب مال أو سيادة عند العرب، أو لدفع ضرها، وما اهتمامهم بالأصنام والآلهة، ومناسك الحج والعمرة، إلا بقدر ما تجلب لهم من منفعة مادية، متعلقة بهذه الدنيا، أما الآخرة فلا علم لهم بها، بل إنهم لا يعرفون أن في الحياة دارًا غير هذه الدار، ولا يُؤمنون بحشر وبعث.
ولم نجد في كتابات العرب الجاهليين حديثًا عما سيحدث للإنسان بعد موته، وكل ما ورد فيها هو توسل إلى الآلهة بأن تُنّزل غضبها على كل من يحاول تغيير قيمها، أو إزالة معالمها، ولم تذكر السبب الذي دفعهم إلى مثل هذا القول.
والشاعر الوحيد الذي ذكر في شعره الموت والحساب والثواب والعقاب والجنّة والنار هو"أمية بن أبي الصلت"، قيل أنه أساسًا كان في شك من دين قومه، وكان ينهى قومه عن عبادتها، ربما تأثر باليهودية والنصرانية، وكان على شاكلته: الأعشى، وزهير بن أبي سلمى، وحاتم الطائي، إلا أنهم لم يكثروا كما أكثر أمية بن أبي الصلت [1] .
نظرة الديانات السماوية إلى اليوم الآخر:
دعت الأديان السماوية إلى الإيمان بالبعث وباليوم الآخر، وجعلت الإيمان به إيمانًا بالله، فمن آمن بالله ولم يُؤمن بالبعث فقد هدم إيمانه، لأنه أنكر عدل الله ومجازاته المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ولأنه أيضًا أخلى نفسه من أوامر الله ونواهيه التي هي مناط الحساب والجزاء.
لهذا جعلت الديانات السماوية أمر البعث والآخرة والإيمان به أُمًا من أمهات العقيدة الدينية، وأصلًا من أصولها، وأتباع الديانات السماوية يؤمنون بالبعث، وبالحياة الآخرة، وبالحساب والجنّة والنار، هذا الأمر أصلًا من أصول الدين فيما كان قبل التحريف.
عقيدة اليهود في الإيمان باليوم الآخر:
(1) أنظر، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: جواد علي، ص 6/ 123.