الصفحة 26 من 273

الآيات المتقدمة وأمثالها كثير، كلها حكاية عن رأي كثير من الجاهليين في نفي البعث وفي عدم إمكان العودة إلى حياة أُخرى بعد موت يهلك الجسم ويفني العظام فيجعلها رميمًا ويمحو كل أثر للجسم، لذا كان البعث من أهم ما عارض فيه الجاهليون معارضة قاسية شديدة، وكان من الموضوعات التي تنذروا بها وسخروا، وأخذوا عليها رسول الله، وكانوا يقولون: إن هي إلا موتتنا الأولى التي نموتها، وما نحن بمنشرين بعد مماتنا ولا بمبعوثين تكذيبًا منهم بالبعث والثواب والعقاب، جاء يومًا عبد الله بن أُبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل فكسره بيده ثم قال: يا محمد، كيف يبعث الله هذا وهو رميم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يبعث الله هذا ويُميتك ثم يُدخلك جهنم" [1] ، ثم تكرّر الأمر بمثل ذلك فجاء أُبي بن خلف مرّة، ومن بعده العاص بن وائل السهمي مرّة أخرى.

ذكر صاحب الروض الأُنف أن الحارث بن عبد العُزى أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة لما قدم مكة، قالت له قريش:"ألا تسمع يا جار ما يقول ابنك هذا، فقال: وما يقول، قالوا: يزعم أن الله يَبعث بعد الموت، وأن لله دارين يُعذب فيها من عصاه، ويُكرم فيها من أطاعه، فقد شتت أمرنا وفرَّق جماعتنا" [2] .

إذن كان رأي كثير من عرب الجاهلية أن الحياة حياة واحدة، هي حياتنا التي نحن فيها في دار الدنيا، ولا يكون بعد الموت بعث ولا حساب، نحيا ونموت، يموت بعضنا ويحيا بعضنا، وما يُميتنا إلا الأيام والليالي، أي مرور الزمان وطول العمر، فالحياة إذن حياة وموت في هذه الدنيا، وهي استمرار للاثنين على مدى الدهر، يُولد إنسان ثم يموت ليحل محله إنسان آخر، وهكذا بلا انتهاء.

إذن لماذا كانت العرب تعبد الآلهة ويتقربوا إلى الأصنام، ويُقدموا القرابين والنذورلها؟

(1) أنظر، الطبري: التفسير، ص 23/ 21.

(2) أنظر، الروض الأًنف: السهلي، ص 1/ 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت