لن يمر في خاطر المؤمن شيء من أنواع النعيم والسعادة والبهجة في الجنّة إلا وجده حاضرًا كأحسن ما تمنى وزيادة، وسيجد كل شيء أمامه على صُورة مختلفة في الحُسن والجمال والروعة، ليست متمثلة في متاع الدنيا، وأن وجه الشبه فقط إنما هو في الاسم وما عداه فشيء غير الذي يعرف [1] .
ويتبدى كرم الله الكريم فيما أعد لعباده المؤمنين، إذ إن أُعطياته تكون بقدر عظمته سُبحانه وتعالى، فكل داخل الجنّة له مسكنه الذي يركن إليه، وهذا المسكن لا يعرف التواضع كما تعرف بيوت الدنيا، وإنما هي مساكن تأخذ بالألباب من حُسنها وبهائها، قال تعالى: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} (التوبة: 72) ، وعن المخلصين تحدث الله: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} (الفرقان: 75) ، وعن المتقين قال تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ} (الزمر: 2) ، وقال تعالى: {إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ} (سبأ: 37) .
وقد وصف النبي هذه المساكن والغُرف وصفًا دقيقًا ليتأملها المؤمنون، وليتفكروا في شكلها وألوانها.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن في الجنّة غُرفة يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" [2] .
(1) أنظر، عالم الغيب: د. يحيى مراد، ص 602.
(2) أخرجه الإمام أحمد في مُسنده: رقم (22803) ، ص 16/ 463 ... - حم 5/ 343.