فهم بالإيمان والعمل بالشرع مكلفون، ولأعمالهم عاملون، وعنها مسؤولون، وعليها محاسبون ومجزيون، ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون، والله خالقهم وما يعملون، فالعمل كسبهم، والثواب والعقاب جزاؤهم، وكل نفس بما كسبت رهينة، فمن عَدْلِهِ سبحانه وحكمته أنه لم يجعل الجزاء على العلم السابق، بل جعله على العمل اللاحق، لكونه يقع من العامل عن علم وإرادة وقصد وعمد، فيترتب عليه المدح والذم، ويستحق الثواب والعقاب.
ج ـ وبهذا يتبين أن الإيمان بالقدر ينشط على العمل، ويمنع المؤمن التواكل والكسل، ففي التنزيل: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} [التوبة:105] ، وفي الحديث الصحيح: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» .
فمن سابق إلى الخير سبق، ومن أساء ثم تاب لحق، ومن أصر على جرمه وعناده أو إعراضه للعقوبة استحق، والله تعالى يهدي من يشاء فضلًا، ويضل من يشاء عدلًا.
فالخلق خلق الله، والملك ملك الله، والقدر سر الله وتدبيره لخلقه وملكه، فلا يكون شيء في ملكه ومن خلقه إلا بعلمه ومشيئته وخلقه، وكلٌ مكتوب عنده.
د ـ إذا عُلِم هذا، فإن كل حادث إنما يقع بقدر، أي: قد علمه الله تعالى بعلم سابق مكتوب في اللوح المحفوظ، ووقوعه بمشيئة الله تعالى وخلقه إياه، والملك كله لله، فلا رب غيره ولا خالق سواه، ولا يكون في ملكه إلا ما شاءه وخلقه.
هـ ـ ومن هنا ندرك خطأ بعض الكتَّاب عندما يذكرون حدثًا ما، فيقولون في ثناياه: (ثم تدخل القدر) ، أو: (شاء القدر) . فإن هذه العبارات مما لا ينبغي أن تصدر عن مؤمن بقضاء الله وقدره، لأن فيها من المحاذير:
1 ـ أن القدر متطفل في تدخله، والقدر هو الأصل؛ لأنه سر الخلق ونظام للملك وتدبير الله تعالى لخلقه.
2 ـ أن ذلك يوهم أن ما كان قبل (ما وصف بتدخل القدر) لم يكن بقدر.