وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» .
وثبت في حديثٍ أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن» ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «قل قدر الله وما شاء فعل» ، وثبت في صحيح مسلم رحمه الله تعالى قوله - صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره» .
أ ـ فتلك درجات القدر أربع، لا يتحقق الإيمان بالقدر إلا بها، وهي:
الأولى: الإيمان التام بعلم الله السابق بالأشياء كلها على ما هي عليه.
الثانية: التصديق الجازم بكتابته سبحانه لهذا المعلوم في الذكر قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
الثالثة: الاعتقاد الثابت بمشيئته الشاملة وقدرته النافذة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج من مشيئته شيء.
الرابعة: الاعتراف بخلقه ـ تبارك وتعالى ـ لكل شيء، فما من شيء إلا والله خالقه لا خالق غيره.
ب ـ فالإيمان بالقدر هو الإيمان بهذه الدرجات الأربع، وثمرة ذلك أن يؤمن المرء أن الأمر قد فُرِغ منه، فقد جفت الأقلام وطويت الصحف، فما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الواجب العمل، فكل ميسر لما خلق له.
والله تعالى أعلم بما الناس عاملون، وهو خالق أعمالهم لكونه تبارك وتعالى خلقهم وكمل خلقهم بالعقول، وبما آتاهم من الإرادات والقدر التي تقع بها أعمالهم، وذلك وجه كونه خالقًا لأعمالهم، وأن الله تعالى قد أمرهم ونهاهم ورغبهم ورهبهم، وجعل عليهم حفظة كرامًا كاتبين يكتبون أعمال العباد، خيرها وشرها في صحفهم، فيترتب جزاؤهم على عملهم الواقع بإرادتهم وقدراتهم، فمن أحسن فله الثواب، ومن أساء استحق العقاب، ولا يظلم ربك أحدًا.