قال أبو بكر محمد بنُ عبدالله البغدادي: (( كان مِنْ مِنّة الله على عبدالرحمن أنّه وُلد بين قماطر العلم والروايات، وتربى بالمذاكرات مع أبيه وأبي زرعة، فكانا يَزُّقَانه(1) كما يزّقُ الفرخ الصغير، ويعنيان به، فاجتمع له مع جوهر نفسه كثرةُ عنايتهما، ثم تمت النعمةُ برحلته مع أبيه فأدرك الإسناد وثقات الشيوخ بالحجاز والعراق والشام والثغور، وسمع بانتخابه حين عرف الصحيح من السقيم، فترعرع في ذلك، ثم كانت رحلته الثانية بنفسه بعد تمكن معرفته يعرف له ذلك، وتقدم بحسن فهمه وديانته وقديم سلفه )) (2) ، وقال أبوالحسن علي بن أحمد الخوارزميّ: (( عبدالرحمن بنُ أبي حاتم إمامٌ ابنٌ إمامٍ قد رُبي بين إمامين أبي حاتم، وأبي زرعة إمامي هدى ) ) (3) .
ومما يدلُ على شدةِ حرصهِ على طلب العلم قولُهُ: (( كنّا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مَرَقةً كلّ نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ، وبالليل النسخ والمقابلة، قال: فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا فقالوا: هو عليل فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقتُ مجلسٍ، فلم يمكنا إصلاحه ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام، وكاد أن يتغير فأكلناه نيئا، لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد ) ) (4) .
وسار ابنُ أبي حاتم على سنة المحدثين فرحل في طلب العلم والحديث، قال علي بن إبراهيم: (( كان لعبد الرحمن ثلاث رحلات الأولى مع أبيه سنة خمس أو سنة ست ثم حج وسمع محمد بن حماد في سنة اثنتين ثم رحل بنفسه إلى السواحل والشام ومصر سنة اثنتين وستين ومائتين ثم رحل إلى أصبهان في سنة أربع وستين فلقي يونس بن حبيب ) ) (5) .
(1) الزَّق: مصدر زَقَّ الطائرُ الفَرخَ يزُقُّه زَقًّا وزَقْزَقَه زَقَّه أَطعمه بفِيه. لسان العرب (10/ 143) .
(2) تاريخ دمشق (35/ 360) .
(3) المرجع السابق (ص 361) .
(4) المرجع السابق.
(5) المرجع السابق (ص 362) .