لذا كان حقًا على مَنْ جاءَ بعدَهم إظهارُ علومهم وتحقيقُ كتبهم التحقيق الذي يليق بمكانتها، ودراسةُ مناهجِهِم في حِفظِ السُّنةِ وعلومِهِا.
ومن أولئكَ الحُفَّاظ العارفين، والجهابذة العالمين، الإمام الحافظ أبو محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم فقد ألف كتابًا في علل الحديث يُعدُّ من أهم مؤلفات هذا العلم الدقيق، ومصدرًا من مصادره الأصلية، قال الحافظ سراج الدين البلقيني: (( وأجل كتابٍ في العلل كتابُ الحافظ ابن المديني، وكذلك كتابُ ابنِ أبي حاتم ) ) (1) .
وقد جمع ابنُ أبي حاتم في هذا الكتابِ علمَ إمامينِ كبيرينِ، وحافظين جليلين هما: أبو زرعةَ عبيدُ الله بنُ عبد الكريم الرازيّ، وأبوه: أبو حاتم محمدُ بنُ إدريس الرازيّ، حيثُ وجه لهما أسئلةً تتعلق بعلل الأحاديث، فأجابا على هذه الأسئلة، فقام ابنُ أبي حاتم بجمع هذه الأسئلة والأجوبة، وما سمعه مما يُلقى عليهما، وترتيبه على أبواب الفقه.
ولابنِ أبي حاتم في هذا الكتاب -أحيانًا- إضافاتٌ، وتعاليلٌ، وزيادات على كلام شيخيه، وقد ينقلُ في بعض المواطن عن غير أبيه وأبي زرعة كما سيأتي بيانه.
-أهميةُ الموضوع:
تتضح أهمية الموضوع في عدة أمور:
الأوَّل: أنَّ علمَ العلل له منزلةٌ كبيرةٌ في علوم الحديث، فهو من أشرف علومها، وأعوصها، وأدقها مسلكًا، وأقلها سالكًا، قال الحافظ ابن حجر: (( المُعَلَّل: وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلاّ من رزقه الله فهمًا ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفةً تامةً بمراتب الرواة، وملكةً قويةً بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه إلاّ القليل من أهل هذا الشأن؛ كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة .. ) ) (2) .
(1) محاسن الاصطلاح (ص 203) .
(2) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر (ص 43) ، وانظر المزيد من أقوال العلماء في"أهمية علم العلل"في الفصل الثالث من الباب الثاني.