الصفحة 111 من 201

وبالجملةِ: فَهذا حَديثٌ صَريحٌ في عَدم الجهر بالتَّسميةِ، وهو وإن لَمْ يَكن مِن أَقسام الصَّحيحِ، فَهو لا ينْزلُ عن دَرجةِ الْحَسَنِ، والحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ لا سيما إِذَا تَعددتْ شَواهدُهُ .

وَالذين تَكلَّموا فيه وتَركوا الاحتجاج بِهِ، قد احتجوا في هذه المسألةِ بما هو أضعفُ مِنهُ، بَل احتجَّ الخطيبُ بما يَعلَمُ هو أَنَّهُ مَوضوعٌ .

ولم يُحْسِنْ البيهقي في تَضعيف هذا الْحَدِيثِ، إذ قَالَ بعد أن رَواه في كتاب (( المعرفة ) )مِن حديثِ أَبِي نعامة بِسندِهِ المُقَدَّمْ (1) : هذا حديثٌ تَفرَدَ بِهِ أبو نعامة قَيْسُ بنُ عباية، وهو ابنُ عَبْدُ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ، لَمْ يَحتجَّ بهما صاحبا الصَّحيح، فقوله تَفردَ بِه أَبُو نعامة لَيسَ بصحيح، فقد تابعه عَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيدٍ (2) وأبو سُفْيَانَ .

وقوله: لم يَحتَجَّ بِهما صاحبا الصَّحيح، لَيسَ هذا لازمًا في صحَّةِ الإسنادِ.

ولئن سَلَّمناهُ، قُلنا: إنَّهُ حَسنٌ، والحديثُ الحسنُ يُحتجُّ بِهِ، وهَذَا الحديثُ يَدلُّ على أن تَركَ الجهر كان ميراثًا عن نَبيهم ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ يَتوارثه خَلفهم عن سَلفهم، وهذا وحدَهُ كافٍ في المسألةِ، لأنَّ الصَّلوات الجهريَّةِ دَائمةً صباحًا ومساءًا، فلوا كان النَّبيّ ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ يَجهرُ بها دائمًا لما وَقَعَ فيه اختلاف واشتباه، ولكان مَعلومًا بالاضطرارِ .

ولِمَا قال أنسٌ: لَمْ يَجهر بِها رَسول الله ولا خُلفاؤه، ولا قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ:ذَلِكَ،وَلَمَا استَمَر عَمل أهلِ المدينةِ في مِحرابِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ ومَقامِهِ على تَرك الجهرِ يتوارثه آخرهم عن أوَّلهم، وذلك جارٍ عِندَهم مَجرى الصَّاعِ والمدِّ .

(1) في (( نصب الراية ) ) (ج1/ص409) : (( المتقدم ) ).

(2) في (( نصب الراية ) ) (ج1/ص409) : (( بريدة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت