الصفحة 97 من 190

(( وقال ابن حجر المكي في (( الخيرات الحسان ) )بعدما ذكر محاسنه ومحامده في ستةٍ وثلاثين فصلًا في (الفصل السابع والثلاثين) : قال الحافظ ابن عبد البر ما حاصله: إنه أفرط بعض أصحاب الحديث في ذمّ أبي حنيفة، وتجاوزوا الحدّ في ذلك؛ لتقديمه القياس على الأثر، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الحديث بطل الرأي والقياس، لكنه لم يردّ إلاَّ بعض أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدّمه إليه غيرُه وتابعه عليه مثله كإبراهيم النَخَعيّ (1) وأصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه - إلاَّ أنه أكثر من ذلك هو وأصحابه، وغيرُه إنّما يوجَد له ذلك قليلًا، ومن ثَمّ لَمّا قيل لأحمد: ما الذي نُقِمَ عليه؟ قال: الرأي، قيل: أليس مالك تكلَّم بالرأي، قال: بلى، ولكن أبو حنيفة أكثر رأيًّا منه، قيل: فهل تكلتم في هذا بحصَّته وهذا بحصَّته؟ فسكت أحمد.

وقال الليث بن سعد: أحصيتُ على مالك سبعين مسألة قال فيها برأيه، وكلُّها مخالفةً لسنةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم نجد أحدًا من علماء الأمة أثبت حديثًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمّ ردَّه إلاَّ بحجّة كادِّعاء نسخ أو بإجماع أو طعن في سنده، ولو ردَّه أحد من غير حجّة لسقطت عدالته، فضلًا عن إمامته، ولزمه اسمُ الفسق، وعافاهم الله عن ذلك، وقد جاء عن الصحابة اجتهادهم بالرأي والقول بالقياس على الأصول ما سيطول ذكره، وكذلك التابعون. انتهى كلام ابن عبد البَرّ. والحاصل أنّ أبا حنيفة لم ينفرد بالقول بالقياس، بل على ذلك عامّة عمل فقهاء الأمصار. انتهى (2) .

(1) وهو إبراهيم بن يزيد بن الأسود النَّخَعِيّ الكوفيّ، أبو عمران، أبو عمار، وهو أحد الأئمة المشاهير، تابعي رأى عائشة ودخل عليها، قال ابن حجر: ثقة إلا أنَّه يرسل كثيرًا، (46- 96هـ) . ينظر: (( وفيات ) ) (1: 25) . (( التقريب ) ) (ص35) .

(2) من (( الخيرات الحسان ) ) (ص79-80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت