وأمّا ثالثًا؛ فلأن المذكورَ قبل لفظ ذلك إنّما هو اللقاء لا الرؤية، وكثيرًا ما يستعمل اللقاء بمعنى أخص من الرواية يشهدُ على ذلك قولُ الدَّارَقُطْنِيِّ: لم يلقَ أبو حنيفة أحدًا من الصحابة إلاَّ أنه رآى أنسًا بعينِه. كما نقله السُيوطيُّ في (( تبييض الصحيفة بمناقب أبي حنيفة ) ) (1) ، وقول الحافظ ابن حجر في (( تقريبه ) )في حقِّ بعض مَن ذكره فيه بمثله، فلا تدلُّ تلك العبارة على إنكار مجرَّد الرؤية الذي هو مدارُ التابعيّة.
وأمَّا رابعًا؛ فلأنّ كون الإضافة في أهل النقل استغراقيّة غيرُ مسلَّمٍ من غير دليل متمَّم، فإن الجمعَ والمفردَ المضاف لا يفيد الاستغراق مطلقًا، بل هو مشروط بشرط، ذكرها علماء الأدب مفصّلًا، وقد بسطت الكلام فيه في رسالتي (( السعي المشكور في ردّ المذهب المأثور ) )، وإن شئت زيادة التوضيح في هذا المبحث النجيح فارجع إلى (( نصرة المجتهدين بردِّ هفوات غير المقلِّدين ) )المنسوب إلى الفاضل الأمجد، والكامل الأوحد المولوي الحكيم وكيل أحمد (2) سلَّمَه الله الصمد.
تشكيك
(1) تبييض الصحيفة )) (ص296) .
(2) وهو وكيل أحمد بن قلندر حسين بن محمد وسيم العمري الحنفي السكندرفوري، كان مفرط الذكاء، سريع الإدراك، قوي الحفظ شديد الرغبة إلى المباحثة، كثير الإنكار على أهل الحديث، له مؤلفاته كثيرة بلغت نحو التسعين، منها: (( حد العرفان ) )شرح فيها (( العرفان ) )لشيخه الإمام عبد الحليم اللكنوي، و (( الياقوت الأحمر شرح الفقه الأكبر ) )، و (( البصائر ترجمة الأشباه والنظائر ) )، و (( التحقيق المزيد في لعن يزيد ) )، (1258-1322هـ) . ينظر: (( نزهة الخواطر ) ) (8: 517-518) .