الصفحة 51 من 190

وقال أيضًا: قوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (1) ليس في اللفظ ما يدلُّ على إرادة موضعٍ ولا مكانٍ أصلًا، فلا يجوز دعوى إضماره، بل دعوى إضماره خطأٌ قطعًا؛ لأنه يتضمَّن الإخبارَ بأن المتكلِّمَ أراد المحذوف ولم ينصب على إرادته دليلًا لا صريحًا ولا لزومًا، فدعوى المدعي أنّه أراده دعوى باطلة. انتهى.

الثاني: إن حملَ الكلامِ على هذا المراد لا يدفعُ الفساد، فقد قال ابنُ حجر المكِّيُّ في رسالته (( شن الغارة على من أظهر مَعَرَّة تقوّله في الحنا وعواره ) ): مرادُهم كذا؛ ليس من احتمالات اللفظ الدالّ عليها، وإنّما هو صرفٌ عن مراده إلى غيره بضرب من ضروب التأويل، فالفسادُ لازمٌ بكلِّ تقدير. انتهى.

الثالث: إن كون المراد بالاتفاق قول الأكثر وإن كان جائزًا، لكنَّه خلاف الظاهر، فلا يجوزُ إيراد مثله في تراجم مثل هؤلاء الأكابر.

الرابع: إنّه لو أريد بالاتفاق قول أكثر أهل الحديث أو جمع منهم لدلَّ ذلك على أنه رأى الصحابة وعاصرهم على قول جمع منهم، فلا يصحُّ تقييد المعاصرة برأي الحنفية في قولك: وإن كان عاصر بعضهم على رأي الحنفية، بل يكون هذا ضائعًا مُهملًا فاسدًا مُبطَلًا.

الخامس: إنه لو كفى مثل هذه الاحتمالات لرفعِ الالزامِ لم يستقرَّ إيرادٌ ولا ملامٌ على مَن يدَّعي الإجماع في مسألة أصليّة أو فرعيّة؛ لاحتمال أن يكون المرادُ بالإجماع قولَ أكثرهم، أو يحذف لفظ: جمع منهم، وبطلانه أظهر من أن يخفى، فلم يزل أهل العلم والنُّهى يطعنون على مَن يدَّعي الإجماع في موضع مختلف فيه ويبطلون قولَه ونقلَه بإبرازِ اختلاف فيه، حتى قال الإمام أحمد ـ وناهيك به جلالة وقدرًا ـ: مَن ادَّعى الإجماع فهو كاذبٌ (2)

(1) من سورة الأعراف: الآية (56) .

(2) وتمام قول أحمد: لعلَّ الناس اختلفوا ما يدريه ولم ينبه إليه، فليقل لا نعلم الناس اختلفوا.

وقد ذكر العلماء تأويلات لقوله، منها:

1-قال ابن الحاجب أنه ما قاله إنكار على فقهاء المعتزلة الدين يدعون إجماع الناس على ما يقولونه وكانوا من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين.

2-ذهب ابن تيمية والأصفهاني أنه أراد غير إجماع الصحابة.

3-إنه أراد به في حق من لا معرفة له بأحوال الناس ، ولا عناية له بالاستخبار عن المذهب، إذا قال ذلك فهو كذب.

4-إنه حمل على الورع أو عالم بالخلاف أو تعذر معرفه الكل أو على العام النطقي أو على غير الصحابة، لحصرهم وانتشارهم.

5-إنه محمول على انفراد ناقله. ينظر: (( ابن حنبل ) )لأبي زهرة (ص264) . و (( تيسير التحرير ) ) (ص227) . و (( أصول مذهب أحمد ) ) (ص314، 317) عن (( تصويب شرح مختصر التحرير ) ) (ص225ـ228) ، و (( فواتح الرحموت(2: 212) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت