إنَّما العجبُ العجيب من أديب ونسيب يدَّعى أنه أخباري تبحَّرَ في علوم الأخبار، وآثاري تمهَّرَ في رسوم الآثار، ومحدِّد ومحدّث، ومجدّد (1) غير مُحدِث (2) حامل رايات التحقيق والاجتهاد، كافل أمارات التدقيق والانتقاد، قامع المبدَعات الفاشية، قالع المحدثات الغاشية، حامي السُّنن (3) المرضية، ماحي جميع السَّنن (4) المرمية، بحر زاخر رائق وافر، فائق سالك مسالك أرباب العدل، ناسك مناسك (5) أصحاب الفضل صدِيق غير زنديق، عَتيق غير عتيق، مُنج (6) للحريق والغريق، مُهدٍ لكلِّ رفيق إلى سواء الطريق، خاتِم المجددين، خاتم المنقدين، عالم البداية والنهاية، عالم الهداية والدراية، ذكيّ تقيّ زكيّ تقيّ حسيب أريب، نسيب أديب مُصنِّف مُنْصف، مُرصّف غير مُعتسف، رافع أعلام الشرع دافع آلآم الجَرح.
كيف يقول في المناقب المذكورة لأبي حنيفة حائز المناصب المأثورة: إنّها من الغلو القبيح والعلو الشنيع، وإنّها من أكاذيب أرباب المبالغة، وأعاجيب أصحاب المجازفة، وإنّها من مبالغات مقلِّديه وأحزابه ومرافعات متَّبعية وأصحابه، أما رأى عبارات المحدِّثين أما درى كلمات المؤرِّخين الذين يعتمدُ على تحريراتِهم ويستندُ بتقراتهم كيف اتفقت على ذكر هذه المناقب، وما اختلفت، وائتلفت على سطر هذه المناقب، ولا تفرَّقت وهم الذين اعتمد على تصريحاتهم في مناصب البُخاري رئيس المحدثين، واستند بتسطيراتهم في مراتب سائر المحدّثين، أفلا يعتبر كلامُهم في حقِّ أبي حنيفة، ويعتبر مرامهم في حقِّ غيره من أهل المرتبة الشريفة، ولعمري هذا غلوٌّ عظيمٌ، وعلوُّ جسيم لا يقول به مَن له عقلٌ سليمٌ وفهمٌ غيرُ سقيم، ولا يرتكب هذا، ولا يفرِّقُ بين ذا وهذا إلاَّ مَن هو رجيم زَنيم، عَقيم أثيم.
(1) من تجديد الدين. منه.
(2) من الاحداث والحدث. منه.
(3) جمع سنة. منه.
(4) سبيل. منه.
(5) سبيل. منه.
(6) من الإنجاء. منه.