هم الذين لا تخرج عن ربقة التعصُّب أعناقهم حتى تسرح في رياض التحقيق أحداقهم، ولا ترتفع غشاوة التصلّب عن أبصارهم حتى تنطبع دقائق التفكر في أنظارهم، جلّ صناعتهم الاعتساف والعناد، وكلُّ بضاعتهم الانحراف عن طريق الرشاد، اتخذوا الطعن على الأئمة إدامهم، وجعلوا اللعن على سلف الأمة شرابَهم، هم الذين لا يقلدون أحدًا في النظافات، ويقلدون كلَّ أحدٍ في الخرافات لا يتبعون أحدًا من الأكياس في التجنُّب عن الأدناس ويتَّبعون كلَّ أحدٍ في أخذِ الأرجاش والأنجاس، هم الذين يجعلون السَّلَف كالخلف، والدرِّ كالحباب، والدُرّ كالسراب، والفضل كالجهل، والثواب كالعقاب، والبدعة كالسنة، والقِشر كاللب، والهجر كالحب.
هم الذين يقيسون سير القدماء من الأولياء والصلحاء على سيرهم في مأكلهم ومشاربهم وصومهم وأفطارهم ونومهم وإيقاظهم ومشيهم وسعيهم وعباداتهم وإطاعاتهم وصحوهم وسهوهم وحركاتهم وسكناتهم في جلواتهم وخلواتهم، تراهم يشتغلون بتجسس معائب الأئمة، ويتصرَّفون في تحسس مثالب صدور الأمة، يظنونهم كسائر الناس، ويتخيَّلونهم كعوام الأكياس، ويجعلون الممكن محالًا والمحال ممكنًا، ويحكمون على المنكر بكونه معروفًا، والمعروف بكونه منكرًا.