الصفحة 111 من 190

ومن هاهنا طعن كثيرٌ منهم على الإمام أبي حنيفة وصاحبيه وشيوخه؛ لوجود إطلاق الإرجاء عليهم في كتب مَن يعتمد على نقلهم. ومنشأ ظنِّهم غفلتهم عن أحد قسمي الإرجاء، وسرعة انتقال ذهنهم إلى الإرجاء الذي هو ضلال عند العلماء.

فقد قال محمد بن عبد الكريم الشَّهْرَسْتَانيّ (1) ، في كتاب (( الملل والنحل ) )، عند ذكر فرق الضلالة: ومن ذلك: المرجئة، والإرجاء على معنيين:

أحدُهما: التأخير كما في قوله تعالى: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} (2) : أي أمهله.

والثاني: إعطاء الرجاء.

أمّا إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح، لأنهم كانوا يؤخِّرون العمل عن النيّة والاعتقاد.

وأمّا بالمعنى الثاني فظاهر، فإنّهم كانوا يقولون: لا يضرُّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

وقيل: الإرجاء: تأخيرُ حكمِ صاحبِ الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو النار، فعلى هذا المرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان.

وقيل: الإرجاء: تأخير علي - رضي الله عنه - عن الدرجة الأولى إلى الرابعة. فعلى هذا: المرجئة والشيعة متقابلتان.

والمرجئة أصناف أربعة: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة. انتهى (3) .

ثم ذكر الشَّهْرَسْتانيّ فرق المرجئة الخالصة مع ذكر معتقداتهم ومزخرفاتهم:

كالثَّوبانيّة: أصحابُ أبي ثوبان المرجئ، الذين زعموا أن الإيمان: هو المعرفة والإقرار بالله تعالى وبرسله وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله.

(1) وهو محمد بن عبد الكريم أبي القاسم الشَّهْرَسْتَانِيّ الشَّافِعِيّ الأَشْعَرِيّ، وشَهْرَسْتَان: مدينة بين خُراسان وخوارزم، من مؤلفاته: (( مضارعة الفلاسفة ) (ت548هـ) . ينظر: (( طبقات الأسنوي ) ) (2: 22-23) . (( وفيات ) ) (4: 273-275) . (( العبر ) ) (4: 132) .

(2) من سورة الأعرف، الآية (111) .

(3) من (( الملل والنحل ) ) (1: 125) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت