وقال في موضع آخر:"وقد قال بعض العرب أَمْكُن كأنه جمع مَكْن لا مكان لأنا لم نرَ فعيلًا ولا فَعَالًا ولا فِعَالًا ولا فُعالًا يُكَسَّرنَ مذكراتٍ على أفْعُل".
ومن الأمثلة الدالة على أثر اختلاف لغات العرب في تعدد الجموع جمعُهم لما جاء على زِنَة (فُعْلَة) ، حيث يجمعون ما جاء على ذلك على (فُعُلات) . قال سيبويه:"ومن العرب من يفتح العين إذا جُمِع بالتاء فيقول: رُكَبَات وغُرَفات ... ومن العرب من يدع من الضمة في فُعْلة فيقول عُرْوات وخُطْوات".
وهناك من حصر القول بتعدد اللغات وجعلِه سببًا في اختلاف أبنية الجموع، يقول الدكتور إبراهيم السامرائي:"وكثرة صيغ جموع التكسير في العربية تسترعي التأمل والنظر بحيث لا نستطيع أن نفسر ذلك بغير القول بتعدد اللهجات".
والصحيح أن تعدد اللغات سببٌ من جُملة أسباب أثرت في اختلاف أبنية الجموع.
ـ إن العربي قد يضطره الشعر أو السجع إلى أن يستعمل أكثر من جمع لمعنى واحد، أو أن يأتي بلفظٍ على غير قياس؛ فالضرائر الشعرية ومراعاة التجانس اللفظي قد تخرج بالكلام عن سَنن كلام العرب وما درجوا عليه في كلامهم، قال الزركشي في (البرهان) :"إن العرب قد يُخرجون الكلم عن أوضاعها لغرض الازدواج فيقولون ـ مثلًا ـ آتيك بالغدايا والعشايا مع أن فيه ارتكابًا لما يُخالف اللغة".
وجاء في (لسان العرب) :"وقالوا: إني لآتيه بالغدايا والعشايا، والغداة لا تُجمع على الغدايا ولكنهم كسروه على ذلك ليطابقوا بين لفظه ولفظ العشايا فإذا أفردوه لم يكسروه".
ـ اختلاف المعنى: من الظواهر اللغوية في العربية المشترك اللفظي، ويعني دلالة اللفظة على معانٍ متعددة، وإن تعدد المعاني واختلافها سبب في تعدد أبنية الجمع لتلك المفردة المتعددة المعاني، ومن الأمثلة على ذلك ـ كما مر معنا ـ جمع (خال) فإن كانت بمعنى حبة الخال وهي الشامة في الوجه فتجمع على (خيلان) ، وإن كانت بمعنى أخو الأم فتجمع على (أخوال) .
وقد يدل المفرد على معنى واحد، لكن جموعه تختص بمعانٍ مختلفة نحو: (الربيع) ، فإن أُريد به ربيعُ الكلأ جُمع على (أَرْبِعَة) ، وإن أُريد به ربيع الجدول جُمع على (أرْبِعَاء) ، وكذلك (الخُفُّ) فإنه يجمع على (خِفَاف) ، فإن أريد به