قال ابن جني:"في المبالغة لا بد أن تترك موضعًا إلى موضع لفظًا إلى لفظ وإما جنسًا إلى جنس".
إن النسب إلى الحِرَف والصناعات عند العرب يكون بصيغة (فعال) ـ بتشديد العين وفتحها ـ غالبًا، كالنساج والنقاض والنجار والخزاف والخراط. قال ابن يعيش:"وإن كان شيء من هذه الأشياء صنعة ومعاشًا يداومها صاحبها نُسب إلى فعال، فيقال لمن يبيع اللبن والتمر لبان وتمار، ولمن يرمي بالنبل نبال".
جاء في تفسير الرازي في قوله تعالى:"ولا أقسم بالنفس اللوامة"."واعلم أن قوله: لوامة ينبئ عن التكرار والإعادة، وكذا القول في لوام وغدار وضرار"أي: أنها تُحدث لومًا بعد لوم كلما أحدث صاحبها فعلًا يوجب اللوم.
يتبين لنا من خلال ما سبق أن صيغة (فعال) بتشديد العين وفتحها تدل على الحرف والصناعات، وتقتضي التكرار والتجدد والمعاناة والملازمة.
ـ مِفْعَال ومِفْعِيل: تدل هاتان الصيغتان على أن الموصوف بهما معتادٌ ومداومٌ على ذلك الوصف.
جاء في ديوان الأدب:"إذا كان الاسم على مفعال أو مفعيل فالجمع على مفاعيل وهما لمن دام منه الفعل".
وجاء في أدب الكاتب:"أن مفعالًا يكون لمن دام منه الشيء أو جرى على عادةٍ فيه، تقول: رجلٌ مِضْحَاك ومهذار ومطلاق: إذا كان مديمًا للضحك والهذر والطلاق".
فيصفون الناقة بقولهم: ناقةٌ مِمْغَار: إذا كان من عادتها أن يحمر لبنها من داء، ويقولون: ناقةٌ مِخْرَاط: إذا كان من عادتها الإخراط وهو أن يخرج لبنها منعقدًا كأنه منقطع الأوتار.
وكذلك صيغة (مِفْعِيل) فإنها تدل على ما تدل عليه صيغةُ (مِفْعَال) من الاعتياد والمداومة. جاء في الكشاف:"المسكين: الدائم السكون إلى الناس لأنه لا شيء له كالمسكير للدائم السكر". وذهب بعض اللغويين إلى أن صيغة (مفعال) لمن صار له كالآلة. وهذا هو الصحيح؛ لأن الأصل في المبالغة النقل، بحيث تكون منقولة عن شيء آخر، فالأصل في (مفعال) أن يكون للآلة كالمفتاح فهو آله الفتح، والمنشار وهو آلة النشر، فنُقل إلى المبالغة، فعندما نقول: (هو مهذار) كأن هذا الموصوف أصبح آلةً للهذر. ولا تؤنث هذه الصيغة ولا تجمع جمع مذكرٍ سالم، وإنما تُجمع على (مفاعيل) ، فتقول: مهاذير ومعاطير. و (مفعيل) أصله (مفعال) لكنهم قلبوا فيه الألف إلى ياء بسبب الإمالة.